> حكيم الشبحي:

 في قرية البيطرة بمديرية تبن في محافظة لحج بدأت الحكاية بغرفة صحية متواضعة قبل أن تتطور على مدى سنوات إلى مركز صحي متكامل يضم 12 قسمًا ووحدة تخصصية ويقدم خدماته لسكان المنطقة والنازحين إليها.



وللوقوف على تفاصيل هذه الرحلة، التقت صحيفة"الأيام" بمدير المركز الصحي بقرية البيطرة معمر العبيدي الذي استعاد مراحل التأسيس والتوسع وتحدث عن الجهات والأشخاص الذين أسهموا في تحويل الفكرة الأولى إلى واقع صحي قائم اليوم.

- كيف بدأت فكرة إنشاء هذا المشروع الصحي في قرية البيطرة؟

البداية كانت مجرد فكرة ومبادرة مجتمعية نبعت من حرص وأصالة عدد من الشخصيات الاجتماعية ورجال الخير والمثقفين من أبناء القرية وكان الهدف الأساسي إنشاء نواة صحية أو عيادة صغيرة، تلبي الاحتياجات الصحية الأساسية للأهالي.

ومن هذه الفكرة ولدت عزيمة حقيقية تحركت بها الجهود نحو التنفيذ على الأرض، وبدأ أبناء المنطقة العمل من الإمكانات المتاحة، واضعين أمامهم هدفًا واحدًا يتمثل في توفير خدمة صحية قريبة من السكان.ومن هذه الفكرة ولدت عزيمة حقيقية تحركت بها الجهود نحو التنفيذ على الأرض، وبدأ أبناء المنطقة العمل من الإمكانات المتاحة، واضعين أمامهم هدفًا واحدًا يتمثل في توفير خدمة صحية قريبة من السكان.

[img]صرح طبي3.jpeg[/img

- كيف انطلقت أولى خطوات البناء والتأسيس؟


انطلق العمل بتشييد أول غرفة عبر مجلس تعاون القرية وبالشراكة مع الصندوق الاجتماعي للتنمية الذي عاد لاحقًا وبنى غرفة أخرى على نفقته. ثم جاء أول تدخل للمنظمات الدولية عن طريق منظمة الإغاثة الإسلامية، التي أسهمت في بناء المرافق الصحية. وكانت هذه البداية الحقيقية التي أشعرت الجميع بحجم المسؤولية، إذ افتتحت الوحدة الصحية في 26 يوليو 2018م ومنذ ذلك الوقت بدأنا التحرك والمطالبة بتدخلات أكبر ترفد الوحدة بالعلاجات والمستلزمات والكوادر الضرورية.

- كيف كان دور مكتبَي الصحة بالمحافظة والمديرية في مسيرة الوحدة الصحية؟

من المهم ألا نتحدث عن قصة النجاح هذه بمعزل عن الدور الذي لعبه القطاع الصحي الرسمي لأن مكتب الصحة العامة والسكان بمحافظة لحج ومكتب الصحة بمديرية تبن كانا بمثابة الذراع الأيمن لهذه التجربة في مراحلها المختلفة. لقد كان دعمهما مستمرا من خلال توفير العلاجات ودعم الكادر الصحي والإشراف والمتابعة والمراقبة إلى جانب التدخل لحل كثير من الإشكالات التي كانت تواجه الوحدة الصحية وهو ما ساعدنا على الاستمرار والتوسع وتحسين مستوى الخدمات. وأود هنا أن أذكر أيضًا أصحاب البصمات الأولى في هذا المشوار وفي مقدمتهم مدير مكتب الصحة بمديرية تبن السابق طرزان العطيفي ومدير مكتب الصحة بالمحافظة السابق، فقد كانت لهما إسهامات طيبة في بداية الطريق ولا يمكن أن ننكر الدور الذي لعباه في تأسيس ودعم التجربة في مراحلها الأولى.

واليوم يمكن القول إن ما تحقق هو ثمرة تراكم تلك الجهود التي استمرت وتطورت في ظل د.خالد الرفاعي في مكتب الصحة بالمديرية و د.خالد جابر في مكتب الصحة بالمحافظة وصولًا إلى ما نشهده اليوم من مركز صحي متكامل.

- ماذا عن دور السلطة المحلية في المديرية؟

السلطة المحلية كانت حاضرة في هذه الرحلة منذ مراحلها الأولى ولا يمكن اختزال هذا النجاح في جهة واحدة. كانت هناك بصمات طيبة لمدير عام مديرية تبن السابق محسن السقاف الذي كان له دور في دعم ومساندة الجهود الصحية، كما أن المدير العام الحالي هود بغازي واصل هذا الاهتمام وكان حاضرًا في مسار تطوير الخدمات ومساندة المركز ومتابعة احتياجاته. وفي النهاية ما نراه اليوم هو حصيلة جهود متراكمة شارك فيها مسؤولون سابقون وحاليون، وكوادر صحية، وأبناء المجتمع، ومنظمات داعمة.

- ما العوامل التي جعلت المنظمات تلتفت إلى البيطرة وتبدأ بالتوسع؟

مع تزايد عدد السكان وارتفاع معدلات الفقر إضافة إلى وجود مخيمين للنازحين في القرية، أصبح الوضع الصحي بحاجة إلى تدخل عاجل. حينها خاطبنا السلطات المحلية في المديرية التي بدورها نقلت الصورة إلى المنظمات الدولية وأوضحت حجم الاحتياج ونادت بضرورة التدخل السريع لتطوير الخدمات الصحية في المنطقة.

- كيف أسهمت مساهمات منظمة "سيف ذا تشيلدرن" و منظمة "كير" في تطوير المركز؟

بالفعل استجابت منظمة سيف ذا تشيلدرن بشكل فاعل واستمر دعمها لمدة أربعة أعوام، وحققت نقلة مهمة من خلال دعم تسعة من العمال والعاملات بالحوافز الشهرية.

كما أسهمت في تجهيز المختبر بميكروسكوب وجهاز الطرد المركزي (Centrifuge) وجهاز (Spectrophotometer) لإجراء مختلف الفحوصات، إلى جانب توفير المحاليل الطبية.

كما جرى توفير كرسي ولادة وحقائب ولادة وجهاز (Autoclave) لتعقيم أدوات الجراحة إضافة إلى رفد قسم المعاينة بأجهزة الضغط وموازين الحرارة، وقسم التغذية بموازين قياس الوزن والطول للأطفال والأمهات للكشف عن حالات سوء التغذية الحاد. وشمل الدعم أيضًا توفير الشاش والمطهرات وأسرة ترقيد مؤقتة للطوارئ في قسم التمريض فضلا عن تزويد الصيدلية بالعلاجات الشهرية المباشرة. أما منظمة "كير" (CARE) فقد أحدثت نقلة معمارية وطبية كبيرة من خلال تشييد المبنى الجديد وتجهيزه بأجهزة تشخيصية من بينها جهاز الألتراساوند (Ultrasound) للطوارئ التوليدية، وجهاز تخطيط القلب (ECG)، وجهاز الشفط للبالغين والأطفال.

- ماذا يضم المركز اليوم؟

يضم المركز 12 قسمًا ووحدة تخصصية تلبي مختلف الاحتياجات الصحية للسكان وهي: قسم المعاينة للكبار. قسم الطوارئ العامة. قسم الطوارئ التوليدية. قسم الصحة الإنجابية. قسم التغذية. قسم الرعاية التكاملية للطفل. قسم التحصين. قسم المشورة. قسم الدعم النفسي. قسم التمريض. قسم المختبر. قسم الصيدلة. وهذا التطور يعكس حجم التحول الذي شهدته المنطقة من غرفة صحية واحدة إلى مركز قادر على تقديم حزمة واسعة من الخدمات.

- حدثنا عن الافتتاح الرسمي للمركز وإقبال الأهالي في اليوم الأول؟

تم الافتتاح الرسمي للمركز الصحي بقرية البيطرة يوم الاثنين الموافق 10 أغسطس 2026م وبدأنا استقبال المرضى والدوام الرسمي للمركز اعتبارًا من يوم الثلاثاء. وقد شهد اليوم الأول إقبالًا كبيرًا عكس حجم الحاجة إلى الخدمات الصحية إذ استقبلنا في مختلف الأقسام إجمالي 128 حالة مرضية توزعت على النحو التالي:

قسم المعاينة: 62 حالة شملت النساء والأطفال وكبار السن من الرجال.

قسم التغذية: 44 حالة من الأطفال والأمهات شملت حالات سوء التغذية بشقيها الحاد والمتوسط (SAM وMAM) إلى جانب الحالات الطبيعية.

قسم الصحة الإنجابية: 22 حالة من النساء الحوامل والمترددات للحصول على خدمات تنظيم الأسرة.

وهذه الأرقام في اليوم الأول فقط تعطي مؤشرا واضحا على حجم الاحتياج الصحي في المنطقة.

- هل هناك أسماء أخرى ترى أنها تستحق الذكر في هذه الرحلة؟

نعم وأحب أن أوجه شكر خاص لشيخ منطقة البيطرة عبدالله يحيى سالم فهو كان ولا يزال من الشخصيات الداعمة لمشاريع المنطقة ويتفاعل مع مختلف القضايا خصوصًا في مجالي الصحة والتعليم.

تجسد تجربة مركز البيطرة الصحي قصة تحول بدأت من مبادرة محلية متواضعة قبل أن تتسع بفعل تراكم الجهود المجتمعية والرسمية والدعم الدولي لتصل اليوم إلى مركز صحي يضم 12 قسمًا ووحدة تخصصية.

وتكشف قصة البيطرة أن نجاح المشاريع الصحية في المناطق الريفية لا يرتبط بالتدخلات التمويلية وحدها بل يحتاج إلى مجتمع مبادر وسلطة محلية مساندة ومكاتب صحية تقوم بدورها في الإشراف والمتابعة وكوادر مهنية وشركاء قادرين على تحويل الاحتياج إلى تدخلات مستدامة.

وبين غرفة تأسيسية في عام 2018م ومركز صحي متكامل في عام 2026م تتواصل رحلة البيطرة حاملة معها بصمات أجيال من المسؤولين والكوادر وأبناء المجتمع والمنظمات التي أسهمت كل من موقعه في صناعة هذا التحول.