> د. سعيد شرياف:
في المقال السابق، حاولنا أن نقرأ تاريخ الجنوب العربي لا بوصفه ماضيًا انتهى، وإنما باعتباره تجربة ما تزال آثارها حاضرة في وعينا، وأن نفهم كيف يمكن للذاكرة أن تتحول من عبء يثقل الحاضر إلى وعي يساعد على صناعة المستقبل.
لكن الوعي بالتاريخ، مهما كان مهمًا، لا يكتمل إلا بسؤال آخر أكثر صعوبة: أي جنوب نريد؟
فقد يكون من السهل أن نتفق على أن للجنوب هوية وتاريخًا وخصوصية وذاكرة سياسية واجتماعية متراكمة، وقد يكون من السهل أيضًا أن نختلف حول تفاصيل الماضي، ومراحل التحول، وتقييم الأشخاص والأحداث.
لكن السؤال الذي يضعنا أمام مسؤوليتنا الحقيقية هو: ماذا نريد أن نصنع من كل ذلك؟
هل نريد فقط استعادة دولة كانت موجودة في مرحلة تاريخية معينة؟ أم نريد أن نستعيد الفكرة ونبني الدولة بصورة تتجاوز أخطاء الماضي، وتستجيب لمتطلبات الحاضر، وتفتح الطريق أمام مستقبل مختلف؟ هنا تحديدًا يبدأ الفرق بين استعادة الدولة وبناء الدولة.
فاستعادة الدولة، بالمعنى السياسي، قد تكون هدفًا أو مشروعًا أو مطلبًا، لكنها لا تمثل في حد ذاتها نهاية الطريق.
أما بناء الدولة فهو عملية أكثر تعقيدًا؛ لأنه لا يتعلق فقط بالحدود والسيادة والرموز، وإنما بالمؤسسات، والقانون، والمواطنة، والاقتصاد، والعدالة، والأمن، والخدمات، والعلاقة بين المواطن والدولة؛ فالدولة ليست علمًا يُرفع، ولا نشيدًا يُردد، ولا حدودًا تُرسم على الخريطة.
فالدولة، قبل ذلك كله، نظام من الحقوق والواجبات والمؤسسات، يشعر فيه المواطن بأن القانون يحميه، وأن كرامته مصانة، وأن مستقبله لا يتوقف على انتمائه المناطقي أو السياسي أو الاجتماعي.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يسبق الحديث عن الدولة هو: أي دولة نريد؟إذا كان الجنوب قد عانى طويلًا من آثار الصراعات والانقسامات، فإن أكبر خطأ يمكن أن نرتكبه هو أن نستعيد الماضي بأدوات الماضي نفسها.
فالمستقبل لا يُبنى بمجرد إعادة إنتاج ما كان، وإنما بفهم ما كان، واكتشاف ما نجح وما أخفق، ثم بناء نموذج جديد يستفيد من التجربة ولا يبقى أسيرًا لها.
ولعل أول ما يحتاجه المشروع الجنوبي هو الانتقال من فكرة الهوية إلى فكرة المواطنة؛ فالهوية مهمة؛ لأنها تمنح الإنسان إحساسه بالانتماء، وتربطه بتاريخه ومجتمعه وذاكرته؛ لكن الدولة لا تستطيع أن تقوم على الهوية وحدها؛ فالدولة الحديثة تقوم على مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، مهما اختلفت مناطقهم ومذاهبهم وتوجهاتهم السياسية والاجتماعية.
ومن هنا، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون: من أي منطقة أنت؟ بل: ما حقك كمواطن؟ ولا ينبغي أن يكون معيار القرب من الدولة هو الانتماء السياسي، وإنما معيار المواطنة.
فالجنوب الذي نريده ينبغي أن يكون جنوبًا يشعر فيه ابن المهرة كما يشعر ابن حضرموت، وابن شبوة كما يشعر ابن أبين، وابن عدن كما يشعر ابن لحج والضالع وسقطرى، بأنهم جميعًا أصحاب وطن واحد، وأن اختلاف الجغرافيا لا يعني اختلاف قيمة الإنسان.
وهنا تظهر قضية أخرى لا تقل أهمية: كيف نتعامل مع الاختلاف الجنوبي؟ فمن الخطأ أن نتخيل أن بناء الدولة يتطلب إزالة الاختلاف.
فالمجتمعات الحية لا تخلو من الاختلاف، والسياسة بطبيعتها تقوم على تعدد الرؤى والمصالح والاجتهادات.
المشكلة ليست في أن نختلف، وإنما في أن يتحول الاختلاف إلى قطيعة، أو يتحول التنافس إلى صراع، أو تتحول السياسة إلى وسيلة لإقصاء الآخر.
والدولة القوية ليست هي التي تجعل الجميع يفكرون بالطريقة نفسها، وإنما هي التي تضع إطارًا مؤسسيًا يسمح لهم بالاختلاف دون أن يتحول اختلافهم إلى تهديد للوطن.
وهذا يعني أن التنوع الجنوبي يمكن أن يكون مصدر قوة إذا أُدير داخل مشروع وطني مشترك. أما إذا تحول إلى صراع على النفوذ والمكانة والثروة، فإنه يصبح نقطة ضعف يمكن أن تستنزف المشروع كله.
ولذلك فإن المصالحة الجنوبية ليست ترفًا سياسيًا، وليست صفحة يمكن تأجيلها إلى ما بعد قيام الدولة؛ إنها جزء من عملية بناء الدولة نفسها.
فلا يمكن أن نبني مستقبلًا مستقرًا بعقلية الثأر، ولا يمكن أن نؤسس دولة قوية بينما يحمل المجتمع جراحًا لم يجد طريقًا عادلًا لمعالجتها، والمصالحة لا تعني نسيان المظالم، كما أن العدالة لا تعني الانتقام.
والمطلوب هو أن نمتلك الشجاعة للتمييز بين العدالة والثأر، وبين المحاسبة والانتقام، وبين حفظ الذاكرة وإعادة إنتاج الصراع؛ فالشعوب لا تتقدم لأنها خالية من الجراح، وإنما لأنها تعرف كيف تتعامل مع جراحها دون أن تجعلها قدرًا دائمًا لأجيالها القادمة؛ ثم يأتي السؤال الأكثر ارتباطًا بحياة الناس: ماذا عن الدولة التي نريد بناءها اقتصاديًا ومؤسسيًا؟ فالحديث عن المستقبل لا يمكن أن يبقى محصورًا في السياسة.
المواطن يريد مدرسة جيدة، ومستشفى محترمًا، وطريقًا آمنًا، وكهرباء ومياهًا وخدمات، وفرصة عمل، وقضاءً نزيهًا، وأمنًا يحميه، ومؤسسات لا تتعامل معه باعتباره تابعًا لصاحب نفوذ.
ولهذا فإن نجاح أي مشروع سياسي لن يُقاس فقط بالشعارات التي يرفعها، وإنما بما يستطيع أن يقدمه للإنسان في حياته اليومية؛ فالناس لا تعيش على المشاريع السياسية وحدها؛ إنها تريد أن ترى أثر تلك المشاريع في حياتها.
ومن هنا، فإن الاقتصاد يجب أن يكون جزءًا أصيلًا من الرؤية المستقبلية للجنوب؛ فالجنوب يمتلك موارد، وموقعًا جغرافيًا، وإمكانات بحرية، وموانئ، وثروات، وفرصًا استثمارية، لكن الموارد وحدها لا تصنع دولة.
ما يصنع الدولة هو حسن إدارة الموارد، والشفافية، والقانون، والمؤسسات، ومكافحة الفساد، وخلق بيئة اقتصادية تسمح للقطاع الخاص بالعمل، وتمنح الشباب فرصة للمشاركة في بناء اقتصادهم، بدل أن يتحولوا إلى طاقة معطلة أو باحثين دائمين عن الهجرة، والأهم أن تتحول الثروة من سبب للتنافس والصراع إلى أداة لبناء التنمية، وتحقيق العدالة، وتوسيع فرص الحياة أمام أبناء الجنوب.
إن الدولة التي نريدها لا ينبغي أن تكون دولة توزيع المناصب، وإنما دولة بناء المؤسسات، ولا ينبغي أن يكون السؤال: من سيحكم؟ بل ينبغي أن يكون السؤال الأهم: كيف سيُحكم؟ فالأشخاص يتغيرون، والحكومات تتبدل، والأجيال تتعاقب، لكن المؤسسة القوية تبقى.
ولهذا فإن بناء المؤسسات أهم من بناء نفوذ الأشخاص، وسيادة القانون أهم من قوة الأفراد، واستقلال القضاء أهم من رضا السلطة، والمواطنة أهم من العلاقات الشخصية. وهنا نصل إلى جوهر المسألة.
إن استعادة الدولة قد تكون لحظة سياسية، أما بناء الدولة فهو مشروع أجيال.
وقد نختلف على شكل المرحلة السياسية القادمة، وقد تختلف القوى الجنوبية في رؤيتها وتقديراتها، لكن هناك مساحة واسعة يمكن أن نتفق فيها على المبادئ الكبرى: دولة تحترم الإنسان. دولة يتساوى فيها المواطنون. دولة يحكمها القانون. دولة تحمي تنوعها. دولة تصون مواردها. دولة تفتح المجال أمام أبنائها. دولة لا تجعل السلطة غنيمة، ولا الوطن ملكًا لفئة، ولا الهوية وسيلة لإقصاء الآخرين.
وهذا يقودنا إلى سؤال ربما يكون أكثر أهمية من كل الأسئلة السابقة: هل نريد جنوبًا يستعيد ماضيه، أم جنوبًا يصنع مستقبله؟
إن استعادة الماضي قد تمنحنا شعورًا بالانتصار الرمزي، لكنها لا تضمن لنا النجاح في المستقبل.
أما بناء المستقبل فيحتاج إلى شيء آخر: يحتاج إلى مراجعة صادقة، وإلى شجاعة الاعتراف بالأخطاء، وإلى القدرة على تجاوز الخصومات، وإلى تحويل التجربة التاريخية إلى مؤسسات وقوانين وممارسات جديدة؛ فالأجيال الجديدة لا ينبغي أن ترث فقط أسماء المراحل السياسية السابقة، ولا خرائط الصراعات القديمة، ولا ذاكرة الخصومات.
ينبغي أن ترث شيئًا أفضل: دولة مستقرة، ومجتمعًا متصالحًا، ومؤسسات عادلة، واقتصادًا منتجًا، ومستقبلًا مفتوحًا.
وهنا يصبح بناء الدولة وفاءً حقيقيًا للتاريخ، لا مجرد تكرار له؛ فإذا كان الجيل السابق قد حمل عبء الصراع، فإن مسؤولية الجيل الجديد أن يحمل عبء البناء.
وإذا كانت الأجيال السابقة قد دفعت أثمانًا باهظة من أجل أفكارها، فإن الوفاء لتلك التضحيات لا يكون بإعادة إنتاج الصراع، وإنما ببناء وطن يجعل تلك التضحيات ذات معنى، ولذلك فإنني أعتقد أن السؤال الجنوبي في المرحلة القادمة يجب أن يتغير.
لم يعد السؤال فقط: كيف نستعيد الدولة؟ بل أصبح: كيف نبني الدولة التي يستحقها أبناء الجنوب؟ والفارق بين السؤالين كبير.
فالأول يتحدث عن الماضي، والثاني يتحدث عن المستقبل.
الأول يبحث عن شيء كان موجودًا، والثاني يبحث عن شيء ينبغي أن يكون.
الأول قد يجمعنا حول الذاكرة، أما الثاني فيختبر قدرتنا على العمل المشترك.
وهنا ربما تكمن المرحلة الأكثر نضجًا في الوعي الجنوبي: أن ننتقل من الدفاع عن وجودنا إلى التفكير في كيفية إدارة هذا الوجود، ومن إثبات هويتنا إلى بناء مؤسسات تحميها، ومن استعادة الدولة إلى بناء دولة أكثر قدرة على الاستمرار.
إن الجنوب الذي نريده لا ينبغي أن يكون مجرد نسخة من جنوب الأمس.
نريده جنوبًا يعرف تاريخه، لكنه لا يعيش أسيرًا له.
يحترم هويته، لكنه لا يجعلها حاجزًا أمام المواطنة.
يحفظ ذاكرته، لكنه لا يستخدمها لإدامة الخصومة.
يعترف بتنوعه، لكنه لا يسمح للتنوع أن يتحول إلى انقسام.
ويؤمن بأن السلطة وسيلة لخدمة الإنسان، وليست غاية في ذاتها. ذلك هو التحدي الحقيقي.
فربما كانت استعادة الدولة هي الحلم الذي حملته أجيال، لكن بناء الدولة هو الامتحان الذي ستواجهه الأجيال القادمة.
وعند هذا الامتحان لن يكون التاريخ وحده كافيًا، سنحتاج إلى العقل، والمؤسسة، والقانون، والمصالحة، والاقتصاد، وإرادة العيش المشترك، فالجنوب لا يحتاج فقط إلى أن يستعيد دولته؛ بل يحتاج إلى أن يجيب، قبل ذلك أو معه، عن السؤال الأهم: أي جنوب نريد؟
وإذا استطعنا أن نجيب عن هذا السؤال بوضوح، وأن نحول الإجابة من شعار إلى مشروع، ومن مشروع إلى مؤسسات، ومن مؤسسات إلى حياة كريمة للناس، عندها فقط يمكن أن نقول إننا لم نستعد الماضي فحسب، بل صنعنا المستقبل؛ فالدولة التي نحلم باستعادتها ينبغي أن تكون بداية، لا نهاية الحلم .
لكن الوعي بالتاريخ، مهما كان مهمًا، لا يكتمل إلا بسؤال آخر أكثر صعوبة: أي جنوب نريد؟
فقد يكون من السهل أن نتفق على أن للجنوب هوية وتاريخًا وخصوصية وذاكرة سياسية واجتماعية متراكمة، وقد يكون من السهل أيضًا أن نختلف حول تفاصيل الماضي، ومراحل التحول، وتقييم الأشخاص والأحداث.
لكن السؤال الذي يضعنا أمام مسؤوليتنا الحقيقية هو: ماذا نريد أن نصنع من كل ذلك؟
هل نريد فقط استعادة دولة كانت موجودة في مرحلة تاريخية معينة؟ أم نريد أن نستعيد الفكرة ونبني الدولة بصورة تتجاوز أخطاء الماضي، وتستجيب لمتطلبات الحاضر، وتفتح الطريق أمام مستقبل مختلف؟ هنا تحديدًا يبدأ الفرق بين استعادة الدولة وبناء الدولة.
فاستعادة الدولة، بالمعنى السياسي، قد تكون هدفًا أو مشروعًا أو مطلبًا، لكنها لا تمثل في حد ذاتها نهاية الطريق.
أما بناء الدولة فهو عملية أكثر تعقيدًا؛ لأنه لا يتعلق فقط بالحدود والسيادة والرموز، وإنما بالمؤسسات، والقانون، والمواطنة، والاقتصاد، والعدالة، والأمن، والخدمات، والعلاقة بين المواطن والدولة؛ فالدولة ليست علمًا يُرفع، ولا نشيدًا يُردد، ولا حدودًا تُرسم على الخريطة.
فالدولة، قبل ذلك كله، نظام من الحقوق والواجبات والمؤسسات، يشعر فيه المواطن بأن القانون يحميه، وأن كرامته مصانة، وأن مستقبله لا يتوقف على انتمائه المناطقي أو السياسي أو الاجتماعي.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يسبق الحديث عن الدولة هو: أي دولة نريد؟إذا كان الجنوب قد عانى طويلًا من آثار الصراعات والانقسامات، فإن أكبر خطأ يمكن أن نرتكبه هو أن نستعيد الماضي بأدوات الماضي نفسها.
فالمستقبل لا يُبنى بمجرد إعادة إنتاج ما كان، وإنما بفهم ما كان، واكتشاف ما نجح وما أخفق، ثم بناء نموذج جديد يستفيد من التجربة ولا يبقى أسيرًا لها.
ولعل أول ما يحتاجه المشروع الجنوبي هو الانتقال من فكرة الهوية إلى فكرة المواطنة؛ فالهوية مهمة؛ لأنها تمنح الإنسان إحساسه بالانتماء، وتربطه بتاريخه ومجتمعه وذاكرته؛ لكن الدولة لا تستطيع أن تقوم على الهوية وحدها؛ فالدولة الحديثة تقوم على مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات، مهما اختلفت مناطقهم ومذاهبهم وتوجهاتهم السياسية والاجتماعية.
ومن هنا، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون: من أي منطقة أنت؟ بل: ما حقك كمواطن؟ ولا ينبغي أن يكون معيار القرب من الدولة هو الانتماء السياسي، وإنما معيار المواطنة.
فالجنوب الذي نريده ينبغي أن يكون جنوبًا يشعر فيه ابن المهرة كما يشعر ابن حضرموت، وابن شبوة كما يشعر ابن أبين، وابن عدن كما يشعر ابن لحج والضالع وسقطرى، بأنهم جميعًا أصحاب وطن واحد، وأن اختلاف الجغرافيا لا يعني اختلاف قيمة الإنسان.
وهنا تظهر قضية أخرى لا تقل أهمية: كيف نتعامل مع الاختلاف الجنوبي؟ فمن الخطأ أن نتخيل أن بناء الدولة يتطلب إزالة الاختلاف.
فالمجتمعات الحية لا تخلو من الاختلاف، والسياسة بطبيعتها تقوم على تعدد الرؤى والمصالح والاجتهادات.
المشكلة ليست في أن نختلف، وإنما في أن يتحول الاختلاف إلى قطيعة، أو يتحول التنافس إلى صراع، أو تتحول السياسة إلى وسيلة لإقصاء الآخر.
والدولة القوية ليست هي التي تجعل الجميع يفكرون بالطريقة نفسها، وإنما هي التي تضع إطارًا مؤسسيًا يسمح لهم بالاختلاف دون أن يتحول اختلافهم إلى تهديد للوطن.
وهذا يعني أن التنوع الجنوبي يمكن أن يكون مصدر قوة إذا أُدير داخل مشروع وطني مشترك. أما إذا تحول إلى صراع على النفوذ والمكانة والثروة، فإنه يصبح نقطة ضعف يمكن أن تستنزف المشروع كله.
ولذلك فإن المصالحة الجنوبية ليست ترفًا سياسيًا، وليست صفحة يمكن تأجيلها إلى ما بعد قيام الدولة؛ إنها جزء من عملية بناء الدولة نفسها.
فلا يمكن أن نبني مستقبلًا مستقرًا بعقلية الثأر، ولا يمكن أن نؤسس دولة قوية بينما يحمل المجتمع جراحًا لم يجد طريقًا عادلًا لمعالجتها، والمصالحة لا تعني نسيان المظالم، كما أن العدالة لا تعني الانتقام.
والمطلوب هو أن نمتلك الشجاعة للتمييز بين العدالة والثأر، وبين المحاسبة والانتقام، وبين حفظ الذاكرة وإعادة إنتاج الصراع؛ فالشعوب لا تتقدم لأنها خالية من الجراح، وإنما لأنها تعرف كيف تتعامل مع جراحها دون أن تجعلها قدرًا دائمًا لأجيالها القادمة؛ ثم يأتي السؤال الأكثر ارتباطًا بحياة الناس: ماذا عن الدولة التي نريد بناءها اقتصاديًا ومؤسسيًا؟ فالحديث عن المستقبل لا يمكن أن يبقى محصورًا في السياسة.
المواطن يريد مدرسة جيدة، ومستشفى محترمًا، وطريقًا آمنًا، وكهرباء ومياهًا وخدمات، وفرصة عمل، وقضاءً نزيهًا، وأمنًا يحميه، ومؤسسات لا تتعامل معه باعتباره تابعًا لصاحب نفوذ.
ولهذا فإن نجاح أي مشروع سياسي لن يُقاس فقط بالشعارات التي يرفعها، وإنما بما يستطيع أن يقدمه للإنسان في حياته اليومية؛ فالناس لا تعيش على المشاريع السياسية وحدها؛ إنها تريد أن ترى أثر تلك المشاريع في حياتها.
ومن هنا، فإن الاقتصاد يجب أن يكون جزءًا أصيلًا من الرؤية المستقبلية للجنوب؛ فالجنوب يمتلك موارد، وموقعًا جغرافيًا، وإمكانات بحرية، وموانئ، وثروات، وفرصًا استثمارية، لكن الموارد وحدها لا تصنع دولة.
ما يصنع الدولة هو حسن إدارة الموارد، والشفافية، والقانون، والمؤسسات، ومكافحة الفساد، وخلق بيئة اقتصادية تسمح للقطاع الخاص بالعمل، وتمنح الشباب فرصة للمشاركة في بناء اقتصادهم، بدل أن يتحولوا إلى طاقة معطلة أو باحثين دائمين عن الهجرة، والأهم أن تتحول الثروة من سبب للتنافس والصراع إلى أداة لبناء التنمية، وتحقيق العدالة، وتوسيع فرص الحياة أمام أبناء الجنوب.
إن الدولة التي نريدها لا ينبغي أن تكون دولة توزيع المناصب، وإنما دولة بناء المؤسسات، ولا ينبغي أن يكون السؤال: من سيحكم؟ بل ينبغي أن يكون السؤال الأهم: كيف سيُحكم؟ فالأشخاص يتغيرون، والحكومات تتبدل، والأجيال تتعاقب، لكن المؤسسة القوية تبقى.
ولهذا فإن بناء المؤسسات أهم من بناء نفوذ الأشخاص، وسيادة القانون أهم من قوة الأفراد، واستقلال القضاء أهم من رضا السلطة، والمواطنة أهم من العلاقات الشخصية. وهنا نصل إلى جوهر المسألة.
إن استعادة الدولة قد تكون لحظة سياسية، أما بناء الدولة فهو مشروع أجيال.
وقد نختلف على شكل المرحلة السياسية القادمة، وقد تختلف القوى الجنوبية في رؤيتها وتقديراتها، لكن هناك مساحة واسعة يمكن أن نتفق فيها على المبادئ الكبرى: دولة تحترم الإنسان. دولة يتساوى فيها المواطنون. دولة يحكمها القانون. دولة تحمي تنوعها. دولة تصون مواردها. دولة تفتح المجال أمام أبنائها. دولة لا تجعل السلطة غنيمة، ولا الوطن ملكًا لفئة، ولا الهوية وسيلة لإقصاء الآخرين.
وهذا يقودنا إلى سؤال ربما يكون أكثر أهمية من كل الأسئلة السابقة: هل نريد جنوبًا يستعيد ماضيه، أم جنوبًا يصنع مستقبله؟
إن استعادة الماضي قد تمنحنا شعورًا بالانتصار الرمزي، لكنها لا تضمن لنا النجاح في المستقبل.
أما بناء المستقبل فيحتاج إلى شيء آخر: يحتاج إلى مراجعة صادقة، وإلى شجاعة الاعتراف بالأخطاء، وإلى القدرة على تجاوز الخصومات، وإلى تحويل التجربة التاريخية إلى مؤسسات وقوانين وممارسات جديدة؛ فالأجيال الجديدة لا ينبغي أن ترث فقط أسماء المراحل السياسية السابقة، ولا خرائط الصراعات القديمة، ولا ذاكرة الخصومات.
ينبغي أن ترث شيئًا أفضل: دولة مستقرة، ومجتمعًا متصالحًا، ومؤسسات عادلة، واقتصادًا منتجًا، ومستقبلًا مفتوحًا.
وهنا يصبح بناء الدولة وفاءً حقيقيًا للتاريخ، لا مجرد تكرار له؛ فإذا كان الجيل السابق قد حمل عبء الصراع، فإن مسؤولية الجيل الجديد أن يحمل عبء البناء.
وإذا كانت الأجيال السابقة قد دفعت أثمانًا باهظة من أجل أفكارها، فإن الوفاء لتلك التضحيات لا يكون بإعادة إنتاج الصراع، وإنما ببناء وطن يجعل تلك التضحيات ذات معنى، ولذلك فإنني أعتقد أن السؤال الجنوبي في المرحلة القادمة يجب أن يتغير.
لم يعد السؤال فقط: كيف نستعيد الدولة؟ بل أصبح: كيف نبني الدولة التي يستحقها أبناء الجنوب؟ والفارق بين السؤالين كبير.
فالأول يتحدث عن الماضي، والثاني يتحدث عن المستقبل.
الأول يبحث عن شيء كان موجودًا، والثاني يبحث عن شيء ينبغي أن يكون.
الأول قد يجمعنا حول الذاكرة، أما الثاني فيختبر قدرتنا على العمل المشترك.
وهنا ربما تكمن المرحلة الأكثر نضجًا في الوعي الجنوبي: أن ننتقل من الدفاع عن وجودنا إلى التفكير في كيفية إدارة هذا الوجود، ومن إثبات هويتنا إلى بناء مؤسسات تحميها، ومن استعادة الدولة إلى بناء دولة أكثر قدرة على الاستمرار.
إن الجنوب الذي نريده لا ينبغي أن يكون مجرد نسخة من جنوب الأمس.
نريده جنوبًا يعرف تاريخه، لكنه لا يعيش أسيرًا له.
يحترم هويته، لكنه لا يجعلها حاجزًا أمام المواطنة.
يحفظ ذاكرته، لكنه لا يستخدمها لإدامة الخصومة.
يعترف بتنوعه، لكنه لا يسمح للتنوع أن يتحول إلى انقسام.
ويؤمن بأن السلطة وسيلة لخدمة الإنسان، وليست غاية في ذاتها. ذلك هو التحدي الحقيقي.
فربما كانت استعادة الدولة هي الحلم الذي حملته أجيال، لكن بناء الدولة هو الامتحان الذي ستواجهه الأجيال القادمة.
وعند هذا الامتحان لن يكون التاريخ وحده كافيًا، سنحتاج إلى العقل، والمؤسسة، والقانون، والمصالحة، والاقتصاد، وإرادة العيش المشترك، فالجنوب لا يحتاج فقط إلى أن يستعيد دولته؛ بل يحتاج إلى أن يجيب، قبل ذلك أو معه، عن السؤال الأهم: أي جنوب نريد؟
وإذا استطعنا أن نجيب عن هذا السؤال بوضوح، وأن نحول الإجابة من شعار إلى مشروع، ومن مشروع إلى مؤسسات، ومن مؤسسات إلى حياة كريمة للناس، عندها فقط يمكن أن نقول إننا لم نستعد الماضي فحسب، بل صنعنا المستقبل؛ فالدولة التي نحلم باستعادتها ينبغي أن تكون بداية، لا نهاية الحلم .















