لا أعتقد أن المملكة العربية السعودية تتجه، في هذه المرحلة، إلى حرب شاملة وطويلة الأمد مع الحوثيين، كما لا أعتقد أن الحوثي معنيّ بحرب مفتوحة تستنزف قدراته وتضعه أمام مواجهة مباشرة وممتدة مع المملكة. وما يجري اليوم، مهما بدا خطيرًا ومتسارعًا، يمكن قراءته باعتباره تصعيدًا محسوبًا يهدف إلى إعادة ترتيب موازين القوة وفرض شروط جديدة على طاولة السياسة، أكثر منه استعدادًا لحرب بلا نهاية.
ومن هذه الزاوية، أرجح أن المشهد سيمر بثلاث مراحل متتابعة، قد تختلف مدتها تبعًا لتطورات الميدان والضغوط الإقليمية والدولية.
المرحلة الأولى هي مرحلة التصعيد المنضبط، وقد تستمر نحو عشرة أيام، أكثر أو أقل. ستشهد خلالها مختلف الجبهات تصعيدًا عسكريًا متبادلًا، يحاول كل طرف من خلاله تحسين موقعه التفاوضي قبل الانتقال إلى المسار السياسي.
الحوثي سيحاول أن يثبت أنه قادر على إيلام خصومه والوصول إلى العمق الذي يعتقد أنه يمثل نقطة الضغط الأساسية، بينما ستسعى السعودية إلى إعادة تثبيت معادلة الردع وإجبار الحوثيين على إدراك أن توسيع نطاق المواجهة ستكون له كلفة عالية.لكن سقف هذا التصعيد سيظل، في تقديري، مضبوطًا بحسابات دقيقة؛ لأن الرياض تعرف أن الدخول في حرب يمنية طويلة لن يكون انتصارًا استراتيجيًا مهما كانت نتائجها العسكرية، والحوثي يعرف بدوره أن تحويل المواجهة إلى حرب مفتوحة مع السعودية قد يستنزف مكاسبه ويضعه أمام متغيرات لا يستطيع التحكم بها.بعد ذلك ستأتي المرحلة الثانية: مرحلة الوساطات والهدنة المؤقتة.
فعندما يصل التصعيد إلى مستوى تصبح معه كلفة الاستمرار أعلى من العائد السياسي والعسكري، ستبدأ قنوات الوساطة بالتحرك، وستظهر الدعوات إلى وقف مؤقت للعمليات وفتح المجال أمام الاتصالات السياسية. ولن تكون الهدنة في هذه الحالة نهاية للصراع، وإنما ستكون محطة انتقالية ضرورية من الميدان إلى السياسة، ومن منطق كسر العظم إلى منطق التفاوض على شكل المرحلة المقبلة.أما المرحلة الثالثة، وهي الأخطر والأكثر أهمية، فتتمثل في الدعوة إلى حوار يمني شامل.
وهنا قد تقدم المملكة العربية السعودية على خطوة سياسية مختلفة: رعاية الحوار في بدايته، ثم الانسحاب التدريجي من التفاصيل الداخلية للملف اليمني، وترك اليمنيين أمام مسؤوليتهم التاريخية في تحديد مستقبل بلدهم.وهذا التحول، إن حدث، سيكون جوهر المعادلة الجديدة.
فالسعودية لا تستطيع أن تبقى إلى الأبد اللاعب المركزي في الملف اليمني، كما أن استقرار المملكة لن يتحقق بإبقاء اليمن في دائرة الحرب والانقسام والفقر. الأمن الحقيقي للمملكة يبدأ من يمن مستقر، لا من يمن مدمر؛ ومن تسوية سياسية قابلة للحياة، لا من استمرار دورة عسكرية مفتوحة.
لكن أي حوار يمني قادم لن يكون جادًا إذا حاول إعادة إنتاج الصيغ القديمة نفسها. فالأزمة اليمنية لم تبدأ بالحوثيين، ولن تنتهي بهدنة بين الحوثيين والسعودية.
هناك قضية سياسية جنوبية قائمة بذاتها، ولها جذورها وتاريخها ومطالبها ومشروعها السياسي، ولا يمكن دفنها تحت عنوان “الحوار اليمني الشامل”.ولهذا يجب أن تكون القضية الجنوبية في مقدمة جدول الأعمال، لا في هامشه. وأي محاولة لتجاوزها أو تأجيلها أو التعامل معها باعتبارها ملفًا ثانويًا ستعني ببساطة ترحيل الأزمة إلى جولة جديدة من الصراع.
إن الجنوب ليس طرفًا هامشيًا في المعادلة، وليس مجرد مساحة جغرافية داخل خارطة اليمن؛ بل هو أحد المفاتيح الأساسية لأي تسوية سياسية مستدامة.
وإذا أراد المجتمع الإقليمي والدولي إغلاق الملف اليمني بصورة نهائية، فعليه أن يتعامل مع القضية الجنوبية باعتبارها قضية سياسية تحتاج إلى حل سياسي واضح، لا باعتبارها مشكلة أمنية يمكن احتواؤها بالترتيبات المؤقتة.ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة قد لا تكون مجرد جولة جديدة من الحرب، بل قد تكون بداية إعادة تشكيل كاملة للمعادلة اليمنية: تصعيد عسكري قصير، يليه وقف مؤقت، ثم انتقال إلى طاولة الحوار، وبعدها إعادة الملف إلى أصحابه الحقيقيين، أي اليمنيين أنفسهم.
والاختبار الحقيقي عندها لن يكون في قدرة الأطراف على توقيع هدنة، وإنما في قدرتها على إنتاج سلام يعالج جذور الأزمة، ويضع القضية الجنوبية في مكانها الطبيعي، ويفتح الباب أمام صيغة سياسية جديدة تنهي احتكار القوة لمستقبل اليمن.
فإذا كانت الرياض تبحث فعلًا عن أمن مستدام، والحوثي يبحث عن اعتراف سياسي بموقعه، واليمنيون يبحثون عن الخروج من الحرب، فإن الطريق الوحيد الذي يجمع هذه المصالح المتعارضة هو تسوية سياسية شاملة، لا انتصار عسكري مؤقت.وقد يكون ما نشهده اليوم، ليس بداية حرب طويلة، وإنما آخر اختبار عسكري قبل الانتقال إلى معركة السياسة.
* رئيس تجمع اتحاد الجنوب العربي - عدن



















