يقال إن القانون ينبغي أن يكون كالموت؛ لا يفرّق بين غني وفقير، وبين قوي وضعيف، ولا يسأل المخالف عن اسمه أو منصبه أو انتمائه قبل أن يطبق عليه حكمه. وهذه العبارة، على قسوتها، تختصر جوهر دولة القانون: العمومية، والتجرد، والمساواة.
فالقانون لا يستمد هيبته من شدة عقوباته، ولا من كثرة نصوصه، بل من عدالة تطبيقه. وقد تكون القوانين مكتوبة بأجمل العبارات، ومودعة في أفخم المجلدات، لكنها تفقد معناها حين تُطبَّق على بعض الناس وتُعطَّل أمام آخرين؛ وحين يُعاقَب الضعيف على المخالفة، بينما يُبحث للقوي عن ثغرة أو استثناء أو مخرج.
المشكلة ليست دائمًا في غياب القانون، بل في حضوره الانتقائي. فقد يتحول النص القانوني، في ظل سوء استخدام السلطة، من ضمانة للحقوق إلى أداة للضغط والانتقام وتصفية الحسابات. عندئذٍ لا يعود القانون ميزانًا للعدالة، بل يصبح سيفًا يُشهر في وجه الخصوم، ويُعاد إلى غمده أمام الأقارب والمقربين وأصحاب النفوذ.
أما أن يكون القانون من أجل "عمرو" و"زيد" وحدهما، يُفصَّل على مقاسهما، ويُستدعى عند الحاجة لمعاقبتهما، بينما يُعفى منه غيرهما ممن ارتكب الفعل نفسه أو أشد منه، فذلك ليس تطبيقًا للقانون، بل إساءة لاستخدامه. وهو ضياع للقانون والحق معًا؛ لأن الانتقائية تهدم الثقة بالمؤسسات، وتُشعر المواطن بأن العدالة ليست حقًا عامًا، وإنما امتياز تمنحه السلطة لمن تشاء وتحجبه عمن تشاء.
ولا تتحقق المساواة بمجرد القول إن "الجميع أمام القانون سواء"، بل حين يرى الناس هذه العبارة متجسدة في الواقع: المسؤول يُحاسب كما يُحاسب الموظف، وصاحب النفوذ يخضع للإجراءات نفسها التي يخضع لها المواطن العادي، ولا تتحول القرابة أو الثروة أو المنصب أو الانتماء إلى منطقةٍ معينة إلى حصانة غير مكتوبة.
إن أخطر ما يصيب المجتمعات ليس وقوع المخالفات وحده، وإنما اقتناع الناس بأن القانون لا يطال إلا من لا ظهر له. ففي تلك اللحظة يفقد القضاء هيبته، وتتآكل شرعية المؤسسات، ويبدأ الأفراد في البحث عن الحماية خارج الدولة.















