الخميس, 04 يونيو 2026
156
في لحظة تضيق عليك المجرات، وتختنق في رئتيك الذرات، وتزحف في عينيك الثقوب السوداء وعوالم الظلمات. تلك هي لحظة القهر والظلم والكمد والنكد التي يعيشها يمنيَّ تفتحتْ زهرةُ عمرهِ فلم يجد بلدًا، بل وجد ثقبًا أسود. في اللحظة التي رفع عينه من آخر سطر في الكتاب، نظر حوله فلم يجد إلا الخراب، وجد ظِلالًا وظلامًا.
أتدري ما هو غبن رجل بذل كلَّ عمره في العلم والتعليم والبحث والتأليف، يدخلُ يومًا ما صومعة علمه؛ لينجز رسالته للدكتوراه، فيخرج منها مزودًا بالمعارف ومستعدًا بكل طاقته لينطلق نحو المستقبل فلا يجد أمامه إلا الظلام، فينتظر في محطته تلك على أمل أن ينقشع ذلك الظلام، فينطلق نحو مستقبله، لكن الظلام تحول إلى ثقب أسود التهم سنين عمره وربيع شبابه.
أتدري مرارة تلك اللحظات، بل السنوات؟ أتدري صعوبة الانتظار؟ يقولون إن تأخر قطارات اليابان محسوب بالثواني، أما قطار عمره فقد توقف من سنوات.
يحمل معه في محطة انتظاره مهاراتِه وشهاداتِه وخبراته وأحلامه وأفكاره، ففي كوكب الظلام ذلك، في الثقب الأسود المسمى "اليمن"، لم يجد وظيفته، لم يجد ذاته، لم يجد من يفهمه. كثافة الظلام تطفئُ كل شمعة يشعلها.
أتدري ما هو شعور أن تكون موظف بلا راتب، مواطن بلا وطن، بلا خدمات، بلا أمن وأمان؟ أن تعيش في بلد تحكمه حكومات الظل، وتعبث به أيادي الأخطبوط؟
إنه اليمن.. حيث يعيش الناس خارج العالم، حيث يتمدد الزمن ويتقلص، وتفقد الأشياء والقيم جاذبيتها، ويفقد الإنسان آدميته. في ذلك الثقب الأسود يختفي كل جميل، وتتلاشى كل الأضواء، ويَعُمُّ الظلام ويتمدَّد، ويتكثف الظلمُ والجهلُ والتخلفُ.
في اليمن، لا تُقاس المسافات بالكيلومترات، بل بعدد الحواجز والعوائق. ولا يُقاس الزمن بالساعات، بل بمدة انقطاع الكهرباء، أو انتظار الرواتب، أو تأجيل الأحلام، أو تأخر الخطط، أو سنوات الحرب التي امتدت حتى صارت جزءًا من ذاكرة جيل كامل.
في الفيزياء، يُعرَّف الثقب الأسود بأنه منطقة من الكون تبتلع الضوء فلا يستطيع الإفلات منها، وتصبح رؤيتها من الخارج شبه مستحيلة. أما في اليمن، فيبدو أن هناك ثقبًا أسود من نوع آخر يصبح فيه الوطن بُعدًا خامسًا خارج خرائط العالم. إن أخطر ما في العيش داخل هذا الثقب الأسود أن تعتاد الظلام والانتظار، وأن تتلاشى ذاكرتك، وأن يلتهم الانتظار عمرك، والأخطر من ذلك أن يعتاد العالم على وجودك هناك.
في الثقب الأسود هذا لا نشعر بالعالم إلا مسًا، نتواصل معه بشفرات صنعناها؛ لأننا نعيش في عالم موازٍ تحكمه قوانين مختلفة. بينما يناقش العالم الذكاء الاصطناعي والمدن الذكية والاقتصاد الرقمي، ما يزال كثير من اليمنيين يبحثون عن أبسط مقومات الحياة الأساسية. وبينما تتسارع حركة التاريخ في أماكن أخرى، يشعر اليمني أحيانًا أن الزمن يعود إلى وراء بسرعة كبيرة، أو يدور في حلقة مغلقة لا تنتهي. ونصنع شفراتنا البسيطة للتواصل مع العالم الذي لا يشبهنا، وغالبًا ما يفشل العالم في التواصل معنا؛ لأننا نعيش في البعد الخامس، في الثقب الأسود.