أخر تحديث للموقع
الاثنين, 15 يونيو 2026 - 12:05 ص بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • شرعية الأنظمة.. بين وهم القوة واختبار البقاء بعد الحروب

    أ.د. أحمد الشاعر باسردة




    ​ليست شرعية الأنظمة السياسية نصوصًا جامدة تُكتب في الدساتير أو شعارات تُرفع في المناسبات، بل هي اختبار دائم يتجدد مع كل أزمة كبرى، ومع كل تهديد وجودي يطرق أبواب الدولة. وفي مقدمة هذه الاختبارات يأتي سؤال بسيط لكنه حاسم: هل يستطيع النظام الدفاع عن نفسه؟ لأن النظام الذي يعجز عن حماية كيانه يصبح، بحكم الواقع، عاجزًا عن حماية شعبه ومقدراته، مهما ادّعى من شرعية قانونية أو تاريخية.

    الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية، بما كشفته من موازين قوى حقيقية، أعادت تعريف مفهوم الشرعية في المنطقة. لم يعد السؤال: كيف وصل النظام إلى الحكم؟ بل أصبح: هل يستطيع الاستمرار فيه؟ فحين تتعرض دول لضربات مباشرة أو غير مباشرة، وتظهر هشاشة منظوماتها الدفاعية أو اعتمادها المطلق على الخارج، فإن ذلك لا يضعف صورتها أمام خصومها فقط، بل يفتح باب الشك داخل مجتمعاتها.

    الشعوب، وإن صبرت طويلًا، فإنها لا تتسامح مع الشعور بالعجز. فهي قد تتحمل الفقر، وتغض الطرف عن الفساد، لكنها نادرًا ما تقبل أن تعيش تحت مظلة دولة لا تستطيع حمايتها. هنا تتحول الشرعية من مسألة سياسية إلى مسألة نفسية وأمنية؛ فالدولة التي لا توفر الإحساس بالأمان تفقد أحد أهم أسباب وجودها.

    ما بعد هذه الحرب لن يكون كما قبلها. فمع انقشاع غبار المواجهة، ستبدأ مرحلة أكثر خطورة: مرحلة الأسئلة الشعبية. لماذا لم نكن مستعدين؟ أين ذهبت الموارد؟ من المسؤول عن هذا الضعف؟ وهل يمكن أن يستمر هذا النظام وهو غير قادر على حماية نفسه؟ هذه الأسئلة لا تُطرح في وسائل الإعلام فقط، بل تتسلل إلى الوعي الجمعي، وتتحول مع الوقت إلى قناعات قد تُسقط أنظمة دون طلقة واحدة.

    الزلزال المتوقع في المنطقة لن يكون عسكريًا بقدر ما هو سياسي واجتماعي. فهناك أنظمة ستكتشف أن قوتها كانت مبنية على توازنات هشة، أو على دعم خارجي متغير، أو على خطاب إعلامي لا يعكس الواقع. وعندما ينكشف هذا التناقض، تبدأ مرحلة التآكل البطيء للشرعية، وهي أخطر من السقوط المفاجئ، لأنها تفقد النظام قدرته على اتخاذ القرار وتضعه في حالة دفاع دائم.

    في المقابل، هناك أنظمة قد تستثمر هذه اللحظة لإعادة بناء شرعيتها، ليس عبر القمع أو الإنكار، بل عبر مراجعة حقيقية لمنظوماتها الأمنية والسياسية، وتعزيز استقلال قرارها، وإعادة الثقة بينها وبين شعوبها. فالشرعية الحديثة لم تعد تُفرض، بل تُكتسب عبر الكفاءة والقدرة على الحماية وتحقيق الحد الأدنى من الكرامة الوطنية.

    إن أخطر ما في المرحلة القادمة ليس نتائج الحرب نفسها، بل ما ستكشفه من حقائق كانت مخفية. فحين تسقط الأقنعة، لا تعود الشعوب كما كانت، ولا تبقى الأنظمة كما هي. ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي الذي سيحدد مستقبل المنطقة ليس من انتصر في الحرب، بل من يستطيع البقاء بعدها وهو أمر مشكوك فيه لهذه الأنظمة الكرتونية. 

    * رئيس تجمع اتحاد الجنوب العربي

المزيد من مقالات (أ.د. أحمد الشاعر باسردة)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال