السبت, 27 يونيو 2026
47
عندما يُطرح مفهوم الأمن القومي، يتجه التفكير عادة إلى الجيوش والأسلحة والحدود والصراعات العسكرية. غير أن الأدبيات الحديثة في الدراسات الاستراتيجية والأمنية تجاوزت هذا الفهم التقليدي الضيق، وأصبحت تنظر إلى الأمن القومي بوصفه قدرة الدولة والمجتمع على حماية استقرارهما واستدامة وجودهما في مواجهة مختلف التهديدات، سواء كانت عسكرية أو اقتصادية أو اجتماعية أو بيئية.
وفي هذا السياق لم يعد الفقر مجرد مشكلة تنموية أو قضية اجتماعية تخص الفئات محدودة الدخل، بل أصبح يُنظر إليه باعتباره أحد أخطر التهديدات التي يمكن أن تواجه الدول، لما يترتب عليه من آثار عميقة تمس الاستقرار السياسي والتماسك الاجتماعي والقدرة الاقتصادية للدولة. وربما تنطبق هذه الحقيقة على اليمن أكثر من أي وقت مضى.
فبعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام وتراجع النشاط الاقتصادي، أصبح الفقر ظاهرة واسعة النطاق تمس قطاعات كبيرة من المجتمع. ومع تآكل الدخول الحقيقية، وارتفاع معدلات البطالة، وتراجع الخدمات الأساسية، باتت أعداد متزايدة من الأسر تواجه صعوبات يومية في تأمين احتياجاتها الأساسية من الغذاء والمياه والصحة والتعليم.
غير أن الخطر الحقيقي للفقر لا يكمن فقط في الحرمان المادي، وإنما في ما ينتجه من تداعيات استراتيجية بعيدة المدى. فالفقر المزمن يؤدي إلى إضعاف رأس المال البشري، ويحد من فرص التعليم والتأهيل، ويقوض قدرة المجتمع على إنتاج المعرفة والمهارات اللازمة للتنمية. وكلما اتسعت دائرة الفقر تقلصت قدرة الاقتصاد على النمو، وتراجعت فرص بناء قاعدة إنتاجية قادرة على خلق الوظائف وتحسين مستويات المعيشة.
ومن منظور الأمن القومي، يمثل الفقر بيئة خصبة لتنامي أشكال متعددة من عدم الاستقرار. فالمجتمعات التي تعاني من مستويات مرتفعة من الحرمان الاقتصادي تكون أكثر عرضة للتوترات الاجتماعية والصراعات المحلية، كما تصبح أكثر هشاشة أمام محاولات الاستقطاب والتجنيد من قبل الجماعات المسلحة أو الشبكات غير القانونية التي تستغل الحاجة الاقتصادية لتوسيع نفوذها.
كما يؤدي الفقر إلى إضعاف الثقة بالمؤسسات العامة عندما يشعر المواطن بأن الدولة عاجزة عن توفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة. وعندما تتسع الفجوة بين احتياجات المجتمع وقدرة المؤسسات على تلبيتها، تتعرض الشرعية المؤسسية للتآكل التدريجي، وهو ما ينعكس على الاستقرار السياسي والاجتماعي على المدى الطويل.
وفي الحالة اليمنية تتضاعف خطورة هذه التحديات بسبب تداخل الفقر مع أزمات أخرى لا تقل خطورة، مثل ضعف الخدمات الأساسية، وتراجع البنية التحتية، واختلال سوق العمل، وتدهور العملة الوطنية، وارتفاع تكاليف المعيشة. فهذه العوامل لا تعمل بصورة منفصلة، بل تتفاعل فيما بينها لتشكل دائرة مغلقة من التدهور يصعب كسرها دون تدخلات اقتصادية ومؤسسية شاملة.
ومن منظور أوسع، لا يمثل الفقر تهديداً للاقتصاد أو الاستقرار الاجتماعي فحسب، بل يمسُّ ما يمكن تسميته بـ"الأمن الحضاري اليمني"، أي قدرة المجتمع والدولة على الحفاظ على مقومات بقائهما التاريخية والثقافية والمعرفية والتنموية. فالمجتمعات التي يتسع فيها الفقر بصورة مزمنة تصبح أقل قدرة على الاستثمار في التعليم والمعرفة والابتكار، وأكثر عرضة لتآكل رأس مالها البشري وتراجع قدرتها على بناء المستقبل. ومن ثم فإن مكافحة الفقر ليست مجرد سياسة اجتماعية أو اقتصادية، بل هي جزء من معركة أوسع لحماية مقومات النهوض الحضاري للدولة والمجتمع.
ومن الخطأ الاعتقاد أن معالجة الفقر تقتصر على المساعدات الإنسانية أو برامج الإغاثة قصيرة الأجل. فهذه التدخلات، على أهميتها، تعالج الأعراض أكثر مما تعالج الأسباب. أما المواجهة الحقيقية للفقر فتتطلب بناء اقتصاد قادر على خلق فرص العمل، وتحفيز الاستثمار، وتطوير البنية التحتية، وتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز كفاءة الإدارة العامة ومؤسسات الدولة.
كما أن مكافحة الفقر تتطلب إعادة الاعتبار لرأس المال البشري باعتباره المورد الاستراتيجي الأهم في اليمن. فالاستثمار في التعليم والتدريب والصحة لا يمثل إنفاقًا اجتماعيًا فحسب، بل يمثل استثمارًا مباشرًا في الأمن القومي للدولة. فالدول القوية لا تُبنى فقط بما تمتلكه من موارد طبيعية، وإنما بما تمتلكه من إنسان قادر على الإنتاج والإبداع والمنافسة.
وتشير تجارب العديد من الدول إلى أن النجاح في خفض معدلات الفقر كان أحد أهم العوامل التي أسهمت في تعزيز الاستقرار السياسي والاجتماعي وتحسين مؤشرات الأمن الوطني. فالتنمية ليست هدفًا اقتصاديًّا منفصلًا عن الأمن، بل هي أحد أهم أدواته وأكثرها استدامة.
ومن هنا فإن النظر إلى الفقر في اليمن باعتباره قضية إنسانية فقط لا يعكس الحجم الحقيقي للمشكلة. فالفقر اليوم أصبح قضية أمن قومي بامتياز، لأن استمراره يعني استمرار إنتاج الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، بينما تمثل مكافحته استثماراً مباشراً في استقرار الدولة ومستقبل المجتمع.
إن حماية الأمن القومي اليمني لا تبدأ فقط من حماية الحدود أو تعزيز القدرات العسكرية، بل تبدأ أيضًا من حماية الإنسان اليمني من الفقر والحرمان والتهميش. فالدولة التي تنجح في بناء اقتصاد يوفر الكرامة والفرص لمواطنيها تكون أكثر قدرة على حماية استقرارها وصناعة مستقبلها من أي دولة تعتمد على أدوات القوة الصلبة وحدها.