أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 10:14 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • ​حين يصبح المحراب فتنة: رسالة إلى من احتكر بيت الله

    أحمد عبدالله المريسي




    ​أيها الذي جعلت بيت الله ملكاً لبيتك، وأيها الذي حولت المنبر إلى ميراث، والأذان والإمامة والخدمة إلى حكر على أهلك وخاصتك.. اعلم أنك لست وحدك من يرى، وأن الله يرى، والناس ترى، والتاريخ يسجل.

    المسجد ليس ضيعة. المسجد وقف لله، ملك للأمة، لا يُباع ولا يُوهب ولا يُورث. فإذا تحول إلى "إقطاعية" تُدار بعقلية العائلة، ويُقدم فيها الأقرب لا الأصلح، ويُقصى فيها الأكفأ بحجة النسب، ويُدار الأمر بالمزاج لا بالشرع، فقد وقعت الخيانة العظمى. خيانة الأمانة، وخيانة الجماعة، وخيانة بيت الله.

    والناس اليوم لم تعد تسكت. الناس تعرف الإمام الذي نشز صوته فنفرت القلوب، وقل علمه فضل الناس، وساءت إدارته فتفرق الصف، واستأثر فكره الناس من المسجد. تعرف من يقول بلسان الحال "هذا مسجدنا" وكأن الله كتبه باسمه. وتعرف من جعل الدين وسيلة وجاهة لا وسيلة عبادة. وقد بلغ السيل الزبى، وأصبح في صدور كثير من المصلين تململ وغضب لا يحمد عقباه إذا تُرك بلا علاج.

    ولذلك جاء الوعيد الذي يخلع القلب. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا تجاوز صلاتهم آذانهم... وإمام أمّ قوماً وهم له كارهون". 
    اسمع جيداً. لم يقل "كارهوه ظلماً". الكراهية المعتبرة هي كراهية الحق. كراهية الظلم، كراهية الجهل، كراهية سوء الإدارة، كراهية الاستئثار. فإذا كنت تعلم يقيناً أن الناس كارهة لك لهذه الأسباب، وأصررت على البقاء، فاعلم أنك تقدم نفسك على الله، وتقدم هواك على مصلحة الجماعة. واعلم أن كل صلاة تُصلى خلفك وأنت سبب نفور الناس منها، هي حجة عليك لا لك.

    الإمامة تكليف ثقيل. سؤال في القبر، وحساب يوم القيامة. أتظن أن الله سائلك عن نسبك؟ سيسألك: لماذا قدمت الأقرب الأقل كفاءة على الأكفأ؟ لماذا قدمت الجهل على العلم؟ لماذا فرقت ولم تجمع؟ لماذا جعلت بيت الرحمة سبب فتنة؟

    فاختر لنفسك. إما أن تعود الآن إلى الله، وتفتح الباب للشورى، وتقدم الأكفأ ولو كان غريباً، وتكون خادماً لا سيداً. وإما أن تستمر في العناد. واعلم أن الاستمرار مع كراهية الناس لك كراهية حق هو إصرار على المعصية، وأن التنحي في هذه اللحظة هو العبادة، وهو الورع، وهو الذي ينجيك غداً.

    وأما أنتم أيها الوسطاء، أيها الذين تمشون بين الناس بالضغط والمحاباة، وتسندون الباطل بحجة "العشرة" و "القرابة".. اتقوا الله. والله لا ينفعكم يوم القيامة. من أعان ظالماً على ظلمه فهو شريكه. ومن كان جسراً للفتنة في بيت الله فليبشر بسواد الوجه يوم تبيض وجوه وتسود وجوه. كفوا أيديكم، ودعوا بيوت الله لأهلها.

    أيها المسؤول.. هذا بلاغ ونذير. بيوت الله أمانة في عنقك. فإن لم تتحرك بحزم لتطبيق معيار الكفاءة، ولدفع الفتنة، ولإعادة المسجد إلى الأمة قبل أن يستفحل التململ ويتحول إلى ما لا تحمد عقباه، فاعلم أنك شريك في الإثم.

    نحن لا نتكلم عن شخص. نحن نكسر صنماً اسمه "الاستئثار". نحن نقول كلمة الحق التي بها تُحفظ بيوت الله. 
    فمن أراد الله فليخدم. ومن أراد الدنيا فليطلبها في السوق، لا في المحراب.

    اللهم إنا نبرأ إليك من كل من اتخذ مساجدك مغنماً، ومن كل يد امتدت إلى بيتك بسوء. اللهم اجعلنا من الذين يقولون الحق ولا يخافون، ويقيمون العدل ولا يحابون.
    والله من وراء القصد.

المزيد من مقالات (أحمد عبدالله المريسي)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال