الخميس, 20 أغسطس 2026
148
عام 1986م نزحت إلى صنعاء إثر أحداث يناير الدامية في الجنوب. لم أكن أتوقع يوماً أن أجد نفسي في صنعاء، لسبب واحد كان يبدو لي آنذاك بديهياً: كيف يمكن أن أعيش في دولة معادية للنظام الاشتراكي الذي كنت أنتمي إليه فكرياً وسياسياً؟
كان الانتقال إلى صنعاء بالنسبة لي أشبه بالعبور إلى الضفة الأخرى من التاريخ. كنت قادماً من الجنوب الاشتراكي، وفي ذهني صورة صنعاء باعتبارها عاصمة النظام الذي يقف على الضفة المقابلة سياسياً وفكرياً. لم يخطر في بالي أن الظروف ستدفعني إليها، وأنني سأعيش فيها لا أياماً أو أسابيع، وإنما فترة من حياتي.
لكن المفارقة الأكبر لم تكن في وصولي إلى صنعاء، وإنما فيمن التقيتهم فيها.
هناك تعرفت على أعداد كبيرة ممن نزحوا من الجنوب في مراحل مختلفة، من فدائيي جبهة التحرير، وأعضاء حزب الرابطة، وأنصار الأصنج والمكاوي، وجماعة قحطان محمد الشعبي ومحمد علي هيثم وسالمين، وغيرهم من الجماعات والشخصيات التي كنا ننظر إليها في الجنوب الاشتراكي باعتبارها خصوماً وأحياناً أعداء.
وفجأة وجدنا أنفسنا جميعاً في المكان نفسه: صنعاء.
أناس قضوا سنوات وهم يتصارعون على السلطة والفكرة والهوية، ثم جمعتهم الغربة في مدينة واحدة. اكتشفنا أن السياسة تستطيع أن تجعل أبناء الوطن خصوماً، لكن المنفى يعيد اكتشاف الإنسان في الإنسان.
لم تمضِ أربع سنوات حتى جاءت دولة الجنوب بكلها إلى صنعاء.
تغيرت الخرائط، وسقطت الحدود السياسية التي ظننا أنها ستبقى طويلاً، وأصبح الذين كانوا في صنعاء لاجئين أو منفيين جزءاً من دولة واحدة مع الذين كانوا يحكمون الجنوب. لم نكن نعرف يومها أن تلك الوحدة التي جاءت تحمل أحلاماً كبيرة ستفتح بعد سنوات أبواباً جديدة للانقسام والحرب والنزوح.
ومرت السنوات.
وها نحن اليوم في القاهرة، وقد تغيرت أسماء الجماعات والخصومات، لكن المشهد القديم ما زال يتكرر بصورة أكثر اتساعاً.
هنا مؤتمر وإصلاح واشتراكيون وناصريون ومستقلون، ومن مختلف الأحزاب والتيارات والمناطق. ثم، في الآونة الأخيرة، التحق بنا الانتقاليون أيضاً.
كأن اليمنيين كتب عليهم أن يلتقوا في الخارج أكثر مما يلتقون في الداخل.
كأن قدرنا أن نتعرف إلى بعضنا في المطارات، وفي عواصم المنافي، وفي الفنادق والشقق والمقاهي، بعد أن عجزنا عن أن نعيش معاً في وطن واحد.
والمؤلم في الأمر أن كثيراً من هؤلاء الذين يجلسون اليوم في القاهرة كانوا بالأمس يتهم بعضهم بعضاً بالخيانة أو العمالة أو الانحراف عن المشروع الوطني. ثم جاءت الحرب لتقول للجميع: أنتم في النهاية أبناء بلد واحد، ومصيركم أكثر تشابهاً مما كنتم تتصورون.
لقد عشنا مراحل عديدة من تاريخ اليمن، وكل مرحلة كانت تعدنا بأن ما سبقها لن يتكرر.
قلنا إن الحرب الأخيرة ستنتهي، وإن الدولة ستستعيد عافيتها، وإن الناس سيعودون إلى بيوتهم، وإن المدن ستفتح أبوابها للنازحين، وإن أبناء اليمن سيتعلمون أخيراً أن اختلافهم السياسي لا يستحق أن يتحول إلى اقتتال.
لكن السنوات تمضي، والمنفى يتسع.
ومن المؤلم أن يصبح السؤال ليس: متى نعود؟ بل: إلى أين نعود؟
إلى صنعاء التي يحكمها الحوثيون؟ أم إلى عدن التي تتنازعها القوى؟ أم إلى مدن أخرى لا يعرف المرء فيها إن كان سيجد الأمن الذي يبحث عنه؟
لقد أصبح الوطن في الوعي اليمني المعاصر شيئاً يشبه الحلم. نشتاق إليه، نتحدث عنه، نختلف حوله، ونحمل مفاتيحه في جيوبنا، لكننا لا نستطيع أن نفتحه.
ترى، هل قدرنا في هذه البلاد أن ننزح من بلادنا؟
هل كتب علينا أن نعيش غرباء في أوطاننا، وأن نلتقي في المنافي بعدما عجزنا عن اللقاء في الوطن؟
وهل المشكلة في اليمن ذاته، أم فينا نحن الذين لم نتعلم بعد كيف نختلف دون أن نقتل بعضنا، وكيف ننتصر لفكرة دون أن نهدم الوطن، وكيف نمارس السياسة دون أن نحولها إلى مشروع إقصاء؟
ربما آن لنا أن نتوقف قليلاً أمام هذه الحقيقة القاسية: لقد تغيرت الأنظمة، وتبدلت الشعارات، وسقطت مشاريع وظهرت أخرى، لكن شيئاً واحداً ظل ثابتاً؛ اليمني يبحث عن مكان آمن يعيش فيه.
ومن صنعاء إلى القاهرة، ومن عدن إلى الرياض، ومن عواصم عربية وأجنبية أخرى، تتكرر الحكاية نفسها: يمنيون يتركون بيوتهم لأن وطنهم لم يعد قادراً على حمايتهم.
ليس أشد قسوة على الإنسان من أن يصبح المنفى عادة، وأن يتحول الوطن إلى مجرد ذكرى.
لقد عشنا طويلاً ونحن نعتقد أن الآخرين هم أعداؤنا، ثم اكتشفنا في المنفى أننا جميعاً ضحايا حكاية واحدة.
ولعل الدرس الأكبر الذي ينبغي أن نتعلمه هو أن الوطن لا يبنى بإلغاء الآخر، ولا بالانتصار عليه، ولا بإجباره على الرحيل.
الوطن الحقيقي هو المكان الذي يستطيع فيه الاشتراكي أن يعيش إلى جانب الإصلاحي، والناصري إلى جانب المؤتمري، والسلفي إلى جانب اليساري، والجنوبي إلى جانب الشمالي، والإنتقالي إلى جانب خصمه، دون أن يبحث أحدهم عن بندقية ليقنع الآخر بأنه وحده صاحب الحق.
نريد وطناً لا يحتاج أبناؤه إلى تأشيرة للعودة إليه.
وطناً لا تكون فيه القاهرة أو الرياض أو عمّان أو إسطنبول بديلاً عن صنعاء وعدن وتعز وحضرموت والحديدة.
نريد فقط أن نعيش في بلادنا.
فهل هذا كثير على اليمنيين؟