أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 10:48 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • ​الوطن الذي يدخل بيوتنا من أفواهنا..!!

    إلهام محمد زارعي




    ​دخل الوطن ذات مساء إلى أحد البيوت اليمنية دون أن يطرق الباب. لم يكن يحمل علمًا، ولا نشيدًا، ولا خطابًا سياسيًا. دخل بهدوء، وجلس في زاوية من المجلس، ولم يره أحد. كان يريد فقط أن يسمع: كيف تتحدث عنه الأسرة حين تظن أنه غير موجود؟

    جلس الأب يتحدث مع ابنه الذي اقترب من إنهاء دراسته، فقال له: «يا ابني، إذا تخرجت وشفت لك فرصة خارج البلاد، لا تتردد، شوف هنا ما عاد في شيء يستاهل.»

    خفض الوطن رأسه قليلًا. لم يغضب من الأب؛ فقد عرف من نبرة صوته أن الرجل لم يكن يكره وطنه، بل كان متعبًا منه، أو ربما متعبًا من أوجاع عاشها فيه. لكنه نظر إلى الابن وتساءل في صمت: هل سيفهم هذا الفرق؟ أم سيكبر وهو يعتقد أنني شيء يجب الهرب منه؟

    ومن المطبخ جاء صوت الأم وهي تقول لابنتها: «ذاكري واجتهدي عشان بكرة تعيشي في مكان أحسن".
    ابتسم الوطن بحزن وقال في نفسه: ولماذا لا نقول لها أيضًا: «ذاكري واجتهدي حتى يصبح المكان الذي تعيشين فيه أحسن؟»

    وفي طرف الغرفة كان طفل صغير يرسم. رسم بيتًا، وشجرة، وشمسًا كبيرة، ثم رسم علم اليمن فوق البيت.
    لم يكن يعرف شيئًا عن الاقتصاد، ولا السياسة، ولا الحروب، ولا نشرات الأخبار.

    كان يعرف فقط أن هذه أرضه. اقترب الوطن منه، وجلس بجواره. ربما كان ذلك الطفل الوحيد في الغرفة الذي لم يحتج إلى تعريف معنى الوطن.
    وهنا تبدأ حكايتنا الحقيقية..!!

    فنحن نعتقد أحيانًا أن أبناءنا يتعلمون حب الوطن في المدرسة، أثناء تحية العلم أو في كتب التربية الوطنية، بينما أول درس حقيقي في الانتماء يُعطى غالبًا داخل البيت، في جملة عابرة يقولها الأب، وتعليق تردده الأم، وحديث يدور أمام الأطفال عن الناس والمستقبل والعمل. فالطفل لا يسمع الكلمات فقط؛ إنه يبني منها خريطته الداخلية لوطنه. حين يسمع كل يوم: «هذه البلاد ما منها فايدة»، ماذا نتوقع أن يشعر تجاهها عندما يكبر؟
    وحين يسمع: «كل الناس فاسدون»، كيف نطلب منه بعد سنوات أن يثق بالمجتمع؟

    وحين نقول أمامه: «من يعمل بأمانة هو الخاسر»، ثم نطالبه أن يكون أمينًا، فنحن نضع في يده قيمة، ثم نهدمها أمام عينيه.
    وهنا المفارقة المؤلمة: قد نشتكي طوال اليوم من ضعف الانتماء لدى الشباب، بينما نكون نحن، دون قصد، قد لقّناهم أول دروس الانفصال عن الوطن حول مائدة الطعام. لكن المطلوب ليس أن نكذب على أطفالنا.

    لا ينبغي أن نقول لهم إن كل شيء جميل بينما هم يرون العكس. ولا أن نخفي الفقر أو البطالة أو الفساد أو الحرب أو الأخطاء.
    حب الوطن ليس إنكار عيوبه. فالذي يحب بيته يرى الشق في جداره، لكنه لا يقنع أبناءه بأن الحل هو كراهية البيت.

    هناك فرق هائل بين أن نقول: «بلدنا انتهت»، وبين أن نقول: «بلدنا تمر بوقت صعب، ودور جيلكم أن يجعل القادم أفضل".
    المعلومة قد تكون واحدة، لكن الجملة الأولى تغلق المستقبل، والثانية تفتح نافذة فيه. وهنا ندرك أن الانتماء ليس نشيدًا نحفظه، بل لغة نتحدث بها. حين يحترم الأب عامل النظافة أمام أطفاله، فهو يعطي درسًا في المواطنة. 

    وحين تعيد الأم شيئًا ليس لها، فهي تشرح معنى الوطن دون محاضرة. وحين يحافظ الطفل على حديقة عامة لأنه يعرف أنها «لنا جميعًا»، فقد فهم المواطنة أكثر ممن يحفظ عشرات الشعارات. وحين يقول الأب أمام أبنائه عن شخص يختلف معه: «أنا لا أتفق معه، لكنه يستحق الاحترام»، فإنه يزرع بذرة وطن كامل داخل غرفة صغيرة.

    لأن الوطن ليس أرضًا فقط. بل طريقة تعامل الناس الذين يعيشون فوق هذه الأرض مع بعضهم.

    وهنا يمكن للأسرة أن تبدأ بأشياء صغيرة جدًا. عندما يخصصوا من وقتهم ليجتمعوا معاً ويتحدثوا عن شيء جميل حدث في المجتمع، لا عن الكوارث وحدها.
     
    عندما يصفوا لأبنائهم  صفات المعلم المخلص، والطبيب الأمين، وعن ذلك الشاب الذي بدأ مشروعًا، وعن تلك المرأة التي خدمت مجتمعها، وروعة مواقف الجار الذي ساند جاره. فالعقل الذي لا يسمع إلا الأخبار السيئة سيعتقد في النهاية أن الخير اختفى، حتى لو كان الخير يعمل بصمت في البيت المجاور.

    رجاءً اسألوا أبناءكم سؤالًا مختلفًا. بدل أن نسأل الطفل دائمًا: «ماذا تريد أن تصبح عندما تكبر؟»
    لنسأله أحيانًا:
    «ما المشكلة التي تتمنى أن تساعد في حلها عندما تكبر؟»
    هنا يتغير معنى التعليم كله.

    فقد لا يعود يريد أن يصبح طبيبًا لأن الطبيب يحمل لقبًا جميلًا، بل لأنه رأى مريضًا يتألم ويريد أن يساعده. ولا مهندسًا للمكانة الاجتماعية، بل لأنه يريد أن يبني. ولا معلمًا للحصول على وظيفة، بل لأنه يريد أن يفتح نافذة في عقل طفل. وهكذا ننتقل من تربية أطفال يبحثون عن مكان لهم في الوطن، إلى تربية أطفال يسألون: ما المكان الذي أستطيع إصلاحه في الوطن؟

    ومن أجمل التطبيقات أيضًا أن نجعل الانتماء تجربة لا كلامًا. فلنزرع مع أطفالنا شجرة في الحي. فلننظف معاً مكانًا عامًا. دعونا نزور كبار السن. وماذا عن مساعدة أسرة في الحي. دعونا نشتري من صاحب مشروع صغير. دعونا نعلّم طفلًا القراءة. لندع أبنائنا يرون بأعينهم أن خدمة الوطن ليست بالضرورة قرارًا وزاريًا ضخمًا؛ قد تبدأ بكيس قمامة نرفعه عن الطريق لأن الطريق ليس «طريق الحكومة»؛ بل طريقنا نحن. لنعلّمهم  أيضًا أن الوطن ليس الحكومة. 

    الحكومات تتغير، والسياسات تتبدل، والمسؤولون يأتون ويذهبون؛ أما الوطن فهو قلوب الناس من حولنا ، والذاكرة، والأرض، والجيران، والمدرسة القديمة، واللهجة التي تخرج من أفواهنا دون تفكير، ورائحة البيت، والأغنية التي تعيد الإنسان فجأة إلى طفولته ولو كان في آخر الدنيا. ومن الخطأ أن نجعل غضبنا من مسؤول أو مؤسسة يتحول أمام أطفالنا إلى كراهية لوطن كامل. فالطفل لا يمتلك دائمًا القدرة على الفصل بين الاثنين. وعندما نزرع الانتماء بهذه الصورة، فنحن لا نربي طفلًا متعلقًا بالتراب فقط، بل إنسانًا يشعر بالمسؤولية تجاه البشر الذين يشاركونه هذا التراب. فالانتماء الحقيقي ليس أن نقول: «وطني أجمل وطن.» بل أن نسأل:

    ماذا أصبح أجمل عندما دخلت  الحارة ؟هل أصبح الشارع أكثر نظافة؟ هل ازداد وعي الأطفال؟  هل الأسر تعيش الآن في أمن وأمان ؟ هل جاري سعيد بقربي من داره ؟ هل وهبت أملاً لإنسان صادفته في طريق الحياة ؟ إذا حدث شيء من ذلك، فقد أحببت وطنك بالفعل. 

    وقبل أن يغادر الوطن ذلك البيت، عاد الأب إلى ابنه وقال له بعد لحظة صمت:
    «يا ابني... إذا أخذتك الحياة يومًا بعيدًا، تعلّم أينما ذهبت، وانجح، وافتح لنفسك أبواب الدنيا كلها... لكن لا تجعل نجاحك سببًا لتحتقر المكان الذي بدأت منه. خذ من العالم أجمل ما فيه، وحاول أن تترك منه شيئًا جميلًا لأهلك وبلدك".
    رفع الوطن رأسه..!!

    وقالت الأم لابنتها: «واجتهدي في دراستك، ليس فقط حتى يصبح مستقبلك أفضل... بل حتى يصبح بسببك مستقبل إنسان آخر أفضل".

    عندها نهض الوطن من زاويته. لم يقل شيئًا. اتجه نحو الباب، ثم التفت إلى الطفل الصغير الذي كان ما يزال يرسم علمًا فوق بيته.

    وكأنه فهم أخيرًا أن أخطر حدود الوطن ليست تلك المرسومة على الخرائط؛ بل الحدود التي نرسمها له داخل قلوب أطفالنا. فلننتبه إلى حديثنا عن الوطن أمام أبنائنا. قد نظن أنها مجرد جملة عابرة على مائدة العشاء، لكنها ربما تستقر في قلب طفل عشرين عامًا، ثم تتحول إلى قرار، وسلوك، وهجرة، أو عودة، أو أمانة، أو خدمة .فالأوطان لا تدخل بيوتنا من الأبواب؛ إنها تدخل إلى قلوب أبنائنا من أفواهنا.
    ودمتم سالمين

المزيد من مقالات (إلهام محمد زارعي)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال