حين نتحدث عن عدن فإننا لا نتحدث عن مدينة ذات موقع جغرافي مميز فحسب بل نتحدث عن مدينة ارتبط اسمها بالتجارة والموانئ والملاحة وتبادل السلع والأفكار والثقافات منذ عصور بعيدة، وحين نتحدث عن غرفة عدن التجارية والصناعية فإننا لا نستحضر مؤسسة اقتصادية عابرة في تاريخ المدينة بل نستحضر واحدة من أقدم المؤسسات التجارية في المنطقة وأكثرها ارتباطا بالتحولات التي عرفتها عدن في الاقتصاد والإدارة والقانون، في السادس والعشرين من أغسطس عام 1886 تأسست الغرفة التجارية العدنية التي عرفت لاحقا بالغرفة التجارية والصناعية بعدن. وتصف الغرفة نفسها بأنها من أقدم الغرف التجارية في دول منطقة الشرق الأوسط ..ومن هنا فإن مناسبة اليوبيل ليست مناسبة لتعداد السنوات فقط.
بل هي مناسبة لإعادة قراءة تاريخ عدن من خلال مؤسسة عاشت تحولات المدينة وعكست في مراحل متعددة طبيعة النشاط التجاري والاقتصادي فيها.
عدن التي سبقت الغرفة ..لم تولد الغرفة التجارية من فراغ، فقد كان ميناء عدن قد بدأ منذ منتصف القرن التاسع عشر يأخذ موقعا متقدما في حركة التجارة والملاحة الدولية. وأعلنت عدن ميناء حرا عام 1850 بعد أن سبقت ذلك إنشاءات مرتبطة بالجمارك وخدمات إرشاد السفن والمرافق المينائية والاتصالات .. وكان هذا التطور يعني شيئا جوهريا، أن عدن كانت تتحول من موقع جغرافي مهم إلى بيئة اقتصادية ومؤسسية؛ فالميناء يحتاج إلى إدارة
والتجارة تحتاج إلى تنظيم، والتاجر يحتاج إلى من يمثل مصالحه، والدولة تحتاج إلى جهة تستمع إلى أهل السوق وتتعامل معهم باعتبارهم شريكا في النشاط الاقتصادي .. ومن هذه الحاجة ولدت الغرفة، المؤسسة بوصفها ذاكرة اقتصادية، أهمية غرفة عدن لا تكمن في عمرها فقط؛ فالسنوات لا تمنح المؤسسة قيمتها ما لم تتحول إلى خبرة وتراكم مؤسسي..وغرفة عدن تحمل في تاريخها جانبا مهما من ذاكرة المدينة الاقتصادية. فقد كان اهتمام التجار بتطوير الميناء وتحسين خدماته من القضايا التي ارتبطت بنشاط الغرفة. وفي عام 1889 أنشئت أمانة ميناء عدن لتتولى الإشراف على شؤون الميناء وخدماته وكان من أعمالها المبكرة برنامج حفر الميناء عام 1891، وهذا يكشف عن طبيعة مختلفة لدور الغرفة، فهي لم تكن مجرد عنوان يجمع التجار؛ بل كانت جزءا من الحياة الاقتصادية للمدينة وتفاعلت مع قضايا البنية التحتية والميناء والخدمات التي تؤثر مباشرة في حركة التجارة.
إن تاريخ غرفة عدن هو أيضا جزء من تاريخ تطور التنظيم القانوني للنشاط الاقتصادي في اليمن؛ فالمؤسسات الاقتصادية لا تستطيع الاستمرار من دون قواعد قانونية تحدد الاختصاصات وتنظم العضوية وتحمي المصالح وتضبط العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص، ولهذا مرت الغرفة بعد الاستقلال الوطني بمراحل تشريعية متعددة؛ ففي عام 1968 صدر القانون رقم 16بشأن تعديل تسمية الغرفة التجارية العدنية إلى الغرفة التجارية والصناعية الوطنية.
ثم جاءت تشريعات أخرى في عام 1969 وعام 1981 لتعيد تنظيم جوانب من وضع الغرفة واختصاصاتها، وبعد قيام الوحدة اليمنية صدر القانون رقم 18 لسنة 1999 ثم القانون رقم 28 لسنة 2003 بشأن الغرف التجارية والصناعية واتحادها العام، واللافت أن القانون رقم 28 لسنة 2003 لا يتعامل مع الغرف باعتبارها تجمعا مهنيا فقط بل يضع لها إطارا قانونيا ومؤسسيا وينظم علاقتها بالاتحاد العام والجهات الحكومية وأعضاء الغرف..وهنا تظهر أهمية القانون
فالمؤسسة الاقتصادية لا يمكن أن تكون فاعلة من دون استقلال مؤسسي واضح واختصاصات محددة وشفافية في الإدارة وعلاقة متوازنة مع السلطة التنفيذية.
في الاقتصادات الحديثة لا يمكن أن تكون العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص علاقة أوامر واستجابات فقط..هناك مساحة للحوار..وهناك حاجة إلى المشورة
وهناك ضرورة لقياس أثر القرارات الاقتصادية على السوق، وهناك حاجة إلى مؤسسة تمثل أصحاب الأعمال وتوصل رؤيتهم إلى صانع القرار..وهنا تكمن إحدى أهم وظائف الغرف التجارية.
إن الموقع الرسمي لغرفة عدن يصفها بأنها منظمة مستقلة غير ربحية وتمثل القطاع التجاري والصناعي والخدماتي في محافظة عدن وتشمل عضويتها ممثلي القطاع الخاص والشركات بمختلف فئاتها، وهذا الدور ينبغي أن يتطور من مجرد تمثيل المصالح إلى المشاركة في صناعة البيئة الاقتصادية، السؤال الذي ينبغي أن يطرح في كل ذكرى تأسيس، ليس السؤال كم سنة مرت؛ بل ماذا فعلنا بهذه السنوات؟وما الذي ينبغي أن تفعله الغرفة في السنوات القادمة؟إن عدن اليوم تحتاج إلى غرفة تجارية أكثر حضورا في صناعة السياسات الاقتصادية وأكثر قدرة على تقديم الرأي المهني في التشريعات وأكثر ارتباطا بالمستثمرين ورجال الأعمال وأصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة.
وتحتاج كذلك إلى قاعدة معلومات اقتصادية عن عدن، وإلى دراسات عن التجارة والموانئ والنقل والصناعة والسياحة والاستثمار، وإلى رصد مستمر للمعوقات التي تواجه النشاط التجاري وإلى مقترحات تشريعية قابلة للتطبيق.
كما أن التحول الرقمي يمثل مجالا مهما في مستقبل الغرفة. وقد أعلنت الغرفة في مناسبتها السابقة عن توجه نحو التحول الرقمي وإلغاء التعاملات الورقية وتقديم الخدمات بصورة أسرع، وهذا الاتجاه ينبغي ألا يتوقف عند الخدمات الإلكترونية؛ بل يمكن أن يتحول إلى غرفة اقتصادية رقمية تنتج البيانات وتوفر المعلومات وتربط المستثمر بالسوق وتساعد صانع القرار على فهم حركة النشاط الاقتصادي.
إن الحديث عن الاستثمار في عدن لا يمكن فصله عن تاريخ الميناء، والموقع الذي جعل عدن محطة للتجارة الدولية يمكن أن يجعلها اليوم مركزا للنقل البحري والخدمات اللوجستية وإعادة التصدير والصناعات المرتبطة بالموانئ والسياحة والخدمات المالية والتجارية؛ لكن الموقع وحده لا يصنع الاستثمار.
المستثمر يحتاج إلى قانون مستقر، وإدارة كفؤة، وقضاء متخصص قادر على حماية الحقوق وإجراءات واضحة..وبنية تحتية ومعلومات دقيقة، ومؤسسات موثوقة.
وهنا تلتقي وظيفة الغرفة مع وظيفة الدولة،إن الدولة تصنع الإطار القانوني والمؤسسي..والقطاع الخاص يصنع النشاط والاستثمار، والغرفة تستطيع أن تكون جسرا مهنيا بين الطرفين.
ربما تكون هذه هي الرسالة الأهم التي يمكن استخلاصها من تاريخ غرفة عدن ؛ فالمؤسسات التي تعيش أكثر من قرن لا تبقى لأنها تحمل اسما تاريخيا؛ بل لأنها تمثل حاجة حقيقية في المجتمع.
وعدن اليوم تحتاج إلى إعادة بناء منظومتها الاقتصادية والمؤسسية بما يتناسب مع مكانتها التاريخية وإمكاناتها المستقبلية، لا يكفي أن نستعيد صورة عدن القديمة؛ بل علينا أن نستعيد منطق عدن المؤسسي، ذلك المنطق الذي جعل الميناء يتطور، وجعل التجارة تبحث عن التنظيم، وجعل التجار يؤسسون غرفة تجمع مصالحهم، وجعل القانون يتطور لمواكبة الاقتصاد، في ذكرى تأسيس غرفة عدن لا ينبغي أن ننظر إلى الوراء فقط، التاريخ ليس متحفا، والغرفة ليست أثرا تاريخيا، والاحتفال ليس غاية في ذاته، إنما التاريخ مصدر للخبرة والمؤسسة أداة للمستقبل، والقانون وسيلة لحماية الاقتصاد، والاستثمار هو أحد أهم طرق تحويل الإمكانات إلى حياة وفرص وعمل وتنمية، ولهذا فإن اليوبيل الحقيقي لغرفة عدن ينبغي أن يكون بداية لمرحلة جديدة، مرحلة تستعيد فيها الغرفة دورها كبيت للقطاع الخاص، ومركز للرأي الاقتصادي..وشريك في صناعة التشريعات والسياسات، ومدافع عن بيئة الاستثمار، ومؤسسة تضع مصلحة عدن الاقتصادية في صدارة اهتمامها، لقد تأسست غرفة عدن في مدينة كانت تعرف قيمة الميناء وقيمة التجارة وقيمة المؤسسة، واليوم تحتاج عدن إلى أن تستعيد هذه الثلاثية من جديد، ميناء يعمل، اقتصاد منتج ومؤسسات يحكمها القانون؛ فعدن لا ينقصها التاريخ، ولا ينقصها الموقع ولا تنقصها الذاكرة التجارية، ما تحتاجه هو أن يتحول هذا الإرث إلى رؤية اقتصادية حديثة..وأن تتحول الغرفة من شاهد على تاريخ التجارة في عدن إلى شريك حقيقي في صناعة مستقبلها..وهنا يكون اليوبيل أكثر من ذكرى ويصبح وعدا جديدا لعدن .