أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 11:01 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • ​الجنوب العربي ليس فصلًا من تاريخ اليمن.. وحق الجنوب في استعادة هويته السياسية

    أ.د. أحمد الشاعر باسردة




    ​من أكثر الروايات السياسية التي تكررت خلال العقود الأخيرة، حتى تحولت عند البعض إلى ما يشبه«الحقيقة المقدسة»، القول إن اليمن دولة واحدة منذ آلاف السنين، وإن الجنوب العربي لم يكن يومًا إلا جزءًا من اليمن، وإن الوحدة التي أُعلنت عام 1990 لم تكن سوى عودة إلى أصل تاريخي قديم. وهذه الرواية، عند إخضاعها للبحث التاريخي بعيدًا عن الشعارات السياسية، تكشف عن خلط واضح بين الجغرافيا والتاريخ والحضارة والدولة، وبين وجود علاقات تاريخية مشتركة وبين وجود دولة سياسية واحدة.

    فالجزيرة العربية لم تكن عبر تاريخها الطويل دولة واحدة، كما أن الأسماء الجغرافية التي استخدمها العرب في وصف الجهات والمناطق لا يمكن تحويلها إلى حدود دولة وطنية بالمعنى الحديث. وكلمة «اليمن» نفسها أقدم بكثير من الدولة اليمنية الحديثة، وقد استخدمت في المصادر القديمة والإسلامية بمعانٍ جغرافية وسياسية متباينة. لكن قدم الاسم لا يعني قدم الدولة التي تحمل الاسم بحدودها الحالية، وهذه نقطة جوهرية لا يجوز تجاوزها.

    فكما أن اسم «الشام» قديم، لا يعني أن كل المناطق التي عُرفت تاريخيًا بالشام كانت دولة سورية الحديثة، وكما أن اسم «العراق» قديم، لا يعني أن الدولة العراقية الحالية كانت موجودة منذ آلاف السنين بحدودها المعاصرة، كذلك فإن ورود اسم اليمن في المصادر القديمة لا يثبت وجود دولة يمنية واحدة تضم الجنوب العربي كله منذ فجر التاريخ.

    التاريخ القديم نفسه يهدم هذه الرواية. فقد عرف جنوب الجزيرة العربية ممالك متعددة، من سبأ ومعين وقتبان وحضرموت وأوسان وحِمير وغيرها، وكانت لكل منها مراكز سياسية واقتصادية ومجالات نفوذ وعلاقات خارجية مختلفة. ولا يمكن جمع هذه الممالك بأثر رجعي داخل مفهوم «الدولة اليمنية» الحديثة، ثم الادعاء بأنها كانت جميعًا أجزاء من وطن سياسي واحد بالمفهوم الذي ظهر في العصر الحديث.

    حضرموت، على سبيل المثال، لم تكن مجرد هامش جغرافي تابع لكيان يمني ثابت؛ بل كانت حضارة ومملكة ذات حضور تاريخي واقتصادي وتجاري بالغ الأهمية. وشكلت شبوة وحضرموت والمهرة ومناطق الجنوب الأخرى فضاءات سياسية واجتماعية متميزة، ارتبطت بتجارة البحر واللبان والموانئ والهجرة والتبادل التجاري مع شرق إفريقيا والهند ومناطق أخرى.

    وكانت عدن، بموقعها الاستراتيجي، إحدى أهم بوابات جنوب الجزيرة العربية إلى العالم البحري. ولذلك فإن محاولة اختزال تاريخ الجنوب كله في تاريخ سياسي واحد اسمه اليمن هي قراءة انتقائية للتاريخ، لا قراءة تاريخية موضوعية.

    ثم جاء الإسلام، فدخلت المنطقة بأكملها في الحضارة الإسلامية الكبرى، وهذا أمر لا خلاف عليه. ولكن الوحدة الدينية والحضارية لا تعني بالضرورة الوحدة السياسية. فالدولة الإسلامية نفسها مرت بمراحل متعددة، وظهرت فيها دول وسلالات ومراكز نفوذ مختلفة، وكانت مناطق الجزيرة العربية تخضع في أوقات مختلفة لسلطات متباينة.

    ومن الخطأ القول إن الإسلام أوجد دولة وطنية اسمها اليمن تضم كل جنوب الجزيرة العربية بالمعنى الحديث. فالانتماء إلى الأمة الإسلامية كان أوسع من الانتماء إلى الدولة، والقبائل والمناطق والسلطنات احتفظت بخصوصياتها السياسية والاجتماعية عبر قرون طويلة.

    ولهذا فإن استخدام التاريخ الإسلامي لإثبات أن الجنوب «يمني سياسيًا» منذ أكثر من ألف عام هو إسقاط لمفهوم الدولة الوطنية الحديثة على عصر لم يكن يعرف الدولة الوطنية بحدودها الحالية، والأكثر وضوحًا يظهر عند الانتقال إلى التاريخ الحديث.

    فقد عرف الجنوب العربي سلطانات وإمارات ومشيخات وكيانات سياسية متعددة، وكانت حضرموت والمهرة ولحج وأبين وشبوة وعدن وغيرها تعيش أوضاعًا سياسية مختلفة، مع وجود قيادات وسلطات محلية وعلاقات ومعاهدات واتفاقات مع القوى الإقليمية والدولية.

    وعندما وصلت بريطانيا إلى عدن عام 1839، لم تدخل إلى أرض بلا تاريخ أو بلا كيان اجتماعي وسياسي، وإنما دخلت إلى منطقة كانت فيها سلطنات ومشيخات وقوى محلية. ثم عملت خلال الحقبة الاستعمارية على تنظيم علاقاتها مع تلك الكيانات، وتطورت لاحقًا فكرة جمع عدد منها تحت إطار سياسي حمل اسم «اتحاد الجنوب العربي».

    وهنا يجب أن يكون النقاش دقيقًا: «اتحاد الجنوب العربي» كان مشروعًا سياسيًا حديثًا في ظل الاستعمار البريطاني، لكن وجود هذا المشروع لا يعني أن الجنوب نفسه اختراع بريطاني. بريطانيا لم تخترع حضرموت، ولا المهرة، ولا لحج، ولا عدن، ولا شبوة، ولا المجتمعات والسلطنات التي كانت قائمة فيها. بل تعاملت مع واقع سياسي واجتماعي موجود، ثم أعادت ترتيبه وفق مصالحها الاستعمارية.

    وهذه نقطة حاسمة لأن خصوم القضية الجنوبية يحاولون أحيانًا استخدام حقيقة أن بريطانيا استعملت مصطلح «الجنوب العربي» لإسقاط كل ما يسمى بالهوية الجنوبية. وهذا استدلال غير منطقي. فالدول الاستعمارية كثيرًا ما تعيد تسمية المناطق وترسم حدودًا جديدة، لكن ذلك لا يعني أن المجتمعات التي تعيش داخل تلك المناطق لم تكن موجودة قبل الاستعمار.

    ثم جاء عام 1967، وهو التاريخ الذي غيّر الخريطة السياسية للجنوب بصورة جذرية. خرج الاستعمار البريطاني، وولدت دولة جنوبية مستقلة، ثم استقرت الدولة لاحقًا تحت اسم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، وفي الشمال كانت هناك دولة أخرى هي الجمهورية العربية اليمنية.

    وهنا تسقط واحدة من أكبر الأساطير السياسية: لو كانت«اليمن دولة واحدة» بالمعنى الذي يقال عنه اليوم، فأين كانت هذه الدولة الموحدة بين 1967 و1990؟.
    لقد كان هناك كيانان سياسيان منفصلان لأكثر من عقدين. دولتان، حكومتان، جيشان، مؤسسات مختلفة، ونظامان سياسيان مختلفان، ولكل منهما علاقاته الخارجية وموقعه الدولي.

    ثم جاءت الوحدة في 22 مايو 1990.وهذه ليست عودة دولة واحدة استمرت آلاف السنين، بل هي عملية سياسية حديثة بين دولتين كانتا قائمتين بالفعل. وهذا الفرق ليس تفصيلًا تاريخيًا، بل هو جوهر المسألة.

    فالقول إن الوحدة كانت «إعادة توحيد» يمكن فهمه سياسيًا من وجهة نظر مؤيديها، لكن تحويلها إلى حقيقة تاريخية تثبت أن الجنوب لم يكن له وجود سياسي مستقل هو أمر آخر تمامًا.ومغالطة تاريخية قاصرة ؛ بل إن التجربة اللاحقة أثبتت أن الوحدة لم تذِب الفوارق التاريخية والسياسية بين الطرفين. وبعد أربع سنوات فقط اندلعت حرب 1994، التي شكلت نقطة تحول كبرى في العلاقة بين الجنوب  العربي واليمن وأصبحت بالنسبة إلى قطاع واسع من الجنوبيين لحظة انهيار لمشروع الوحدة بالشكل الذي أُعلن عنه عام 1990.

    ثم جاءت سنوات طويلة من التراكمات السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية، وصولًا إلى بروز الحراك الجنوبي ثم التحولات السياسية والعسكرية التي شهدها الجنوب خلال السنوات اللاحقة.

    ولهذا فإن القضية الجنوبية ليست نزاعًا على«اسم اليمن» فقط، ولا هي محاولة لاقتطاع جزء من دولة تاريخية عمرها آلاف السنين كما يصورها البعض. إنها قضية شعب يرى أن له هوية وتجربة سياسية وتاريخًا خاصًا،  ومستقلة بخصائص سياسية واجتماعية وثقافية مختلفة ، وأن الوحدة التي دخلها عام 1990 لم تحقق له الشراكة والعدالة التي كان يأملها، ومن هنا يجب أن نفرق بين أمرين: وجود تاريخ مشترك، وضرورة وجود دولة مشتركة.

    قد يكون هناك تاريخ مشترك بين شعبين، ولغة مشتركة، ودين مشترك، ومصالح اقتصادية مشتركة، وحتى روابط قبلية واجتماعية، ومع ذلك يمكن أن يختارا دولتين مستقلتين أو صيغة سياسية أخرى.

    أوروبا مثال واضح على أن الاشتراك في الحضارة والتاريخ لا يعني بالضرورة إقامة دولة واحدة. والعالم العربي نفسه مليء بالدول التي تشترك في اللغة والدين والثقافة والتاريخ، لكنها دول مستقلة. فلماذا يصبح الجنوب استثناءً؟
    لماذا يُقال للجنوبي إن تاريخه لا يحق له أن يكون أساسًا لهوية سياسية، بينما يُسمح لشعوب أخرى بأن تعيد تعريف مستقبلها؟.

    ولماذا يتحول الحديث عن حق الجنوبيين في تقرير مستقبلهم إلى «انفصال»، بينما يتم تجاهل حقيقة أن الوحدة نفسها كانت مشروعًا سياسيًا حديثًا؟.

    إن أخطر ما في الخطاب الذي يصر على «اليمن الواحد منذ آلاف السنين» أنه يحول التاريخ إلى أداة لإلغاء السياسة. فهو لا يناقش مطالب الجنوبيين، ولا يبحث أسباب الأزمة، ولا يعالج نتائج حرب 1994، ولا يقدم ضمانات للمستقبل؛ بل يكتفي بإشهار رواية تاريخية مبسطة وكأنها حكم نهائي على حاضر شعب كامل.

     وهذا الادعاء الكارثي لا يمنح الدول صكوك ملكية أبدية.
    الحدود تتغير، والدول تتغير، والأنظمة تتغير، والشعوب تتغير، والأهم أن الإرادة السياسية للشعوب لا يمكن تجميدها في لحظة تاريخية واحدة.

    إذا كان الجنوب قد دخل وحدة عام 1990 بإرادة سياسية، فإن السؤال المنطقي هو: هل يملك الجنوبيون الحق في مناقشة مستقبل تلك الوحدة عندما أصبحت واقعًا مختلفًا عن الذي دخلوا إليه؟ هذا سؤال سياسي لا يمكن الإجابة عنه بالتخوين، وإذا كانت الوحدة مشروعًا ناجحًا فعلًا، فإن نجاحها يجب أن يقنع الناس بها بالعدالة والمواطنة والشراكة، لا بالقوة.

    أما إذا كانت الوحدة لا تستطيع الاستمرار إلا بمنع الجنوبي من الحديث عن هويته وتاريخه وحقه في تقرير مستقبله، فهذه ليست وحدة راسخة، وإنما مشروع يحتاج إلى مراجعة.بل شطبه من الذاكرة نهائيا. 

    إن الجنوب العربي لا يحتاج إلى اختلاق تاريخ، لأن لديه تاريخًا حقيقيًا غنيًا. لديه حضرموت بتاريخها العريق، وعدن بمكانتها التجارية والحضرية، ولحج وسلاطينها، والمهرة بخصوصيتها، وشبوة بتاريخها القديم، وأبين وغيرها من مناطق الجنوب التي صنعت لنفسها عبر القرون شخصيات اجتماعية وسياسية متميزة.

    ولا يحتاج الجنوب كذلك إلى إنكار تاريخ الشمال أو الإساءة إلى أبنائه. القضية ليست صراعًا بين شعبين، وإنما خلاف على صيغة الدولة والمستقبل السياسي.
    الشمال له تاريخه، والجنوب له تاريخه. الشمال له خصوصياته، والجنوب له خصوصياته. والاعتراف بذلك لا يعني العداء؛ بل إن الاعتراف المتبادل قد يكون الطريق الوحيد للخروج من دائرة الصراع.

    لقد أثبتت السنوات الماضية أن فرض الوحدة بالقوة لا يصنع دولة مستقرة، وأن تجاهل القضية الجنوبية لا يلغيها، وأن إنكار الهوية لا يغير الواقع.
    والحل الحقيقي يبدأ عندما نتوقف عن التعامل مع الجنوب بوصفه «جزءًا مملوكًا» من مشروع سياسي، ونبدأ بالتعامل معه بوصفه طرفًا أصيلًا له حقه في تحديد مستقبله.

    إن تقرير المصير ليس جريمة، والحديث عن الاستقلال ليس خيانة، والمطالبة بالهوية ليست دعوة إلى الحرب. إنها خيارات سياسية يجب أن تُناقش بالحوار والضمانات والاستفتاء والإرادة الشعبية، لا بالسلاح.

    ولهذا فإن المستقبل لا ينبغي أن يُبنى على أسطورة «اليمن الواحد منذ آلاف السنين»، وإنما على حقيقة أكثر واقعية: أن جنوب الجزيرة العربية عرف تاريخًا طويلًا من التنوع السياسي والاجتماعي، وأن الدولة اليمنية الحديثة بحدودها الحالية نتاج تاريخ سياسي حديث، وأن الوحدة التي قامت عام 1990 كانت تجربة سياسية بين دولتين، وأن من حق أبناء الجنوب اليوم أن يناقشوا مستقبلهم بحرية ومسؤولية؛ فالجنوب العربي ليس هامشًا في تاريخ أحد، وليس مجرد جغرافيا أضيفت إلى خريطة حديثة، وليس اختراعًا استعماريًا يمكن محوه بتغيير الاسم.

    إنه جزء أصيل من تاريخ الجزيرة العربية، له ممالكه وحضاراته وسلطناته وموانئه ومجتمعاته وتجربته السياسية الحديثة. والاعتراف بهذه الحقيقة لا ينتقص من أحد؛ بل ربما يكون هو البداية الحقيقية لعلاقة جديدة بين الجنوب والشمال تقوم على الاحترام المتبادل، وتضع حدًا لاستخدام التاريخ كسلاح سياسي، وتفتح الباب أمام مستقبل يختاره الناس بحرية، بعيدًا عن الإكراه والحروب وشعارات الماضي؛ فالتاريخ لا يقول إن شعبًا يجب أن يبقى إلى الأبد داخل حدود دولة لمجرد أن سياسيين في عصر معين اختاروا تلك الصيغة. والشعوب ليست أسيرة الخرائط. والجنوب العربي، مثل غيره من شعوب العالم، من حقه أن يقرأ تاريخه بنفسه، وأن يعرّف هويته بنفسه، وأن يختار مستقبله بنفسه.

المزيد من مقالات (أ.د. أحمد الشاعر باسردة)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال