ذهبتُ إلى دعوةٍ كريمة، وعند البوابة استقبلتني أعلام دولٍ مختلفة ترفرف جنبًا إلى جنب، كأنها تقول قبل أن ندخل: يمكن للاختلاف أن يسكن سماءً واحدة دون أن ينافس أو يهمش الآخر. وبينما كنا نتحدث عن اندماج الثقافات، سأل أحدهم عن معاني ألوان الأعلام، فأعادتني الذاكرة إلى مقاعد المدرسة؛ قلت لهم: تعلمنا أن الأحمر يرمز إلى التضحيات والدماء التي أُريقت، وأن الأخضر يرمز إلى النماء والرخاء. عندها قال أحد الحاضرين: لكن الأحمر في سياقات من التاريخ الأوروبي حمل أيضًا معنى الثراء والفخامة ورفعة المكانة؛ فقد كانت بعض الأصباغ الحمراء نادرة وباهظة الثمن، ومن هنا ارتبط اللون بالمكانة والتكريم، وظلت السجادة الحمراء رمزًا للاحتفاء. توقفت عند المفارقة: اللون نفسه؛ رآه إنسان ذاكرةَ دم، ورآه آخر ذاكرةَ ثراء. وأدركت أن المشكلة ليست دائمًا في اختلاف ما نراه، بل في اعتقاد كل منا أن ما يراه هو المعنى الوحيد الممكن؛ فكل إنسان يحمل وراء عينيه وطنًا وطفولةً وكتابَ مدرسة وحكايات أجداد وتاريخًا طويلًا يلوّن الأشياء قبل أن تصل إلى عينيه. وهنا ربما يبدأ المعنى الحقيقي للمواطنة؛ فالمواطن الصالح ليس من يشبه بقية المواطنين في أفكارهم وأصولهم وثقافاتهم، بل من يعرف كيف يختلف معهم دون أن ينتقص من حقهم في الوطن. المواطنة ليست أن نتشابه تحت العَلَم، بل أن نتساوى تحته. أن يكون القانون مظلةً للجميع، والكرامة حقًا للجميع، والفرصة متاحةً للجميع، وأن يصبح اختلاف اللون أو المنطقة أو الدين أو اللغة إضافةً إلى الوطن لا تهمةً داخله. فالعَلَم لا يسأل الريح القادمة من أي جهة قبل أن يرفرف فيها، والوطن كذلك يكبر حين تتسع مساحته لكل أبنائه. ولو كانت الأعلام كلها بلون واحد لفقد المشهد كثيرًا من جماله؛ وكذلك المجتمعات لا تصبح أكثر وحدةً حين نمحو ألوانها، بل حين نتعلم كيف نجعل ألواننا المختلفة ترفرف في سماء واحدة. فالوحدة ليست أن أطلب منك أن تصبح مثلي، بل أن أشعر أن وجودك المختلف لا يهدد وجودي، وإنما يوسّع عالمي.
وهنا عدت بفكري إلى أصغر وطن نملكه: "الأسرة".
ففي البيت يتعلم الطفل أول درس في المواطنة قبل أن يعرف معنى الكلمة؛ حين يرى أباه وأمه ينصفان بين الأبناء، ويحترمان اختلاف شخصياتهم وآرائهم،ويعطيان الصغير حق الكلام كما للكبير، والبنت حق الحلم كما للولد، فإنه يتعلم أن الاختلاف لا يلغي المساواة. أما إذا تعلم داخل بيته أن الأقوى يأخذ أكثر، وأن المختلف يُسكت، وأن المحبة مشروطة بالطاعة والتشابه، فلا ينبغي أن نستغرب حين يحمل هذه القواعد معه إلى الشارع والمؤسسة والوطن. لذلك، إذا أردنا وطنًا يحتضن تنوعه، فلنبدأ من مائدة الطعام: دعوا كل صوت يُسمع، وكل اختلاف يُحترم، وكل فرد يشعر أن له مكانًا لا يحتاج أن يتخلى عن لونه كي يستحقه. يومها دخلتُ تلك الدعوة وأنا أرى أعلامًا كثيرة، وخرجت وأنا أرى درسًا كاملًا في بناء الأوطان: الحديقة لا تصبح أجمل حين نجعل زهورها بلون واحد، والموسيقى لا تُصنع من نغمة واحدة، والوطن لا يصبح واحدًا حين يتشابه أبناؤه؛ إنه يصبح واحدًا حين يتعلم أبناؤه أن تنوعهم ليس المسافة التي تفصل بينهم؛ بل الثروة التي تجمعهم.
ودمتم أسرةً إنسانيةً واحدة؛ مختلفة الألوان، متساوية الكرامة، غنيةً بتنوّعها.