أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 10:36 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • ​حين يميل ميزان العدالة.. من يحمي الناس من الظلم؟

    المحامي د. أسامة عبدالإله الأصبحي




    ​«حين يميل الميزان» عنوان لمجموعة قصصية أو رواية للأديب المصري ثروت أباظة، لكنه بالنسبة لي ليس مجرد عنوان أدبي؛ بل صورة تختصر واحدة من أخطر لحظات المجتمع حين يفقد ميزان العدالة توازنه.

    فالعدالة ليست قاعة محكمة، ولا منصة قاضٍ، ولا نصًا مكتوبا في قانون. العدالة هي الشعور بالأمان حين يقف المظلوم أمام القضاء، وهو مطمئن أن الحق أقوى من النفوذ، وأن الدليل أقوى من العلاقات، وأن القانون لا يعرف اسما ولا منصبا ولا جاهًا.

    القاضي ليس موظفا يصدر الأحكام فحسب؛ إنه الحارس الأخير لثقة الناس بالدولة. وحين يجلس القاضي على منصة القضاء، ينبغي أن يكون أمامه إنسان وحق ودليل وقانون، لا هاتف مسؤول، ولا توصية نافذ، ولا ضغط من خارج المحكمة.
    وأخطر ما يمكن أن يصيب العدالة ليس أن يُظلم شخص، بل أن يعتاد الناس على الظلم حتى يفقدوا ثقتهم في إمكانية إنصافهم.

    حين يشعر صاحب الحق أن أبواب القضاء لا تفتح إلا لمن يملك النفوذ، وحين يرى الباطل يمشي مطمئنا، والحق يقف طويلا في طوابير الانتظار، فإن المشكلة لم تعد في قضية واحدة؛ بل في ميزان بدأ يميل.
    والأمن أيضا ليس مجرد انتشار الجنود والحواجز.

    الأمن الحقيقي يبدأ من قناعة المواطن بأن حقه محفوظ، وأن المعتدي سيُحاسب، وأن المظلوم لن يضطر إلى حماية نفسه بنفسه.
    فإذا اختل القضاء، اهتز الأمن. وإذا ضاعت هيبة القانون، انتقل الناس من طلب العدالة إلى البحث عن وسائل أخرى لاسترداد حقوقهم، وهنا تبدأ الفوضى الحقيقية.

    ليس المطلوب من القاضي أن يكون مع هذا أو ذاك؛ المطلوب أن يكون مع القانون وحده. وليس المطلوب من رجل الأمن أن يحمي صاحب نفوذ؛ بل أن يحمي الدولة والقانون والمواطن. وليس المطلوب من النيابة أن تبحث عن إرضاء أحد؛ بل أن تبحث عن الحقيقة.

    إن هيبة القضاء لا تُبنى بالخوف من القاضي، وإنما بالثقة في عدالته. وهيبة الأمن لا تُبنى بالسلاح وحده، وإنما بإيمان المواطن أن رجل الأمن جاء ليحميه، لا ليخيفه.
    وحين يميل ميزان العدالة، لا يسقط المظلوم وحده؛ يسقط معه جزء من هيبة الدولة، وجزء من ثقة الناس، وجزء من الأمن الاجتماعي.

    لذلك، فإن إصلاح العدالة ليست خيارا مؤجلا، واستقلال القضاء ليس شعارًا، ومحاسبة من يعبث بالحقوق ليست تصفية حسابات.
    إنها معركة من أجل أن يبقى للحق معنى، وللقانون هيبة، وللقاضي استقلال، وللمواطن كرامة.

    فالميزان إذا مال مرة يمكن إصلاحه، أما إذا اعتاد الناس ميله، فقد يصبح الظلم هو القاعدة، والعدل هو الاستثناء.
    وهنا لا تكون الكارثة في أن ميزان العدالة قد مال، بل في أن الجميع رأوه يميل، ولم يعد أحد يمد يده لإعادته إلى موضعه.
    * رئيس شبكة محامون ضد الفساد

المزيد من مقالات (المحامي د. أسامة عبدالإله الأصبحي)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال