في الحروب لا تُكتب النهايات بسقوط مدينة، ولا تُحسم المعارك بانسحاب من موقع، ولا يعني تقدم الخصم في جبهة أن الحرب انتهت وأن الراية سقطت.
ما جرى في المخا والساحل الغربي تطور عسكري خطير يجب التعامل معه بمسؤولية وشجاعة، ومراجعة أسبابه ومحاسبة المقصرين إن وُجدوا، لكنه ليس نهاية الحرب، ولا نهاية الجمهورية، ولا انتصارًا نهائيًا لميليشيات الحوثي الإرهابية.
الأخطر من خسارة الأرض أن نخسر المعركة نفسيًا.
ولهذا لا تنصتوا للمهزومين نفسيًا الذين يسارعون عند كل انتكاسة إلى إعلان النهاية، وينشرون الاتهامات والإحباط وكأن جولة واحدة تختصر حربًا كاملة. من حقنا أن نسأل وننتقد ونطالب بالمحاسبة، لكن ليس من حق أحد أن يحوّل التراجع العسكري إلى هزيمة معنوية تخدم الحوثي ومشروعه.
الحرب كرّ وفرّ، والمواقع تُفقد وتُستعاد، والجيوش تتراجع لتعيد تنظيم صفوفها ثم تعود إلى الميدان. والقيادة السياسية والعسكرية هي المسؤولة اليوم عن تقييم ما حدث، وتصحيح الأخطاء وإعادة ترتيب الجبهات، بعيدًا عن ضجيج الشائعات ومنصات التواصل الاجتماعي.
- باب المندب.. المعركة أصبحت أكبر
التطور الأخطر اليوم أن اقتراب الحوثيين من مضيق باب المندب يجعل معركة الساحل الغربي تتجاوز حدود الصراع اليمني الداخلي.
نحن نتحدث عن واحد من أهم الممرات البحرية الإستراتيجية في العالم، وعن بوابة البحر الأحمر الجنوبية والطريق البحري المؤدي إلى قناة السويس.
ولهذا فإن أي نفوذ عسكري حوثي بالقرب من باب المندب لا يمثل خطرًا على اليمن وحده، بل يرفع مستوى التهديد للملاحة الدولية والتجارة والطاقة وأمن البحر الأحمر.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الحوثيين قادرون على استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والهجمات البحرية للضغط على حركة الملاحة، وأن البحر الأحمر يمكن أن يتحول سريعًا من ممر تجاري دولي إلى ساحة صراع إقليمي.
ومن هنا يصبح السؤال أكبر من المخا والحديدة: هل يقبل العالم بوجود قوة مسلحة مرتبطة بإيران تمتلك موقعًا يسمح لها بتهديد باب المندب واستخدام حركة التجارة الدولية ورقةً للضغط والابتزاز؟
وتزداد خطورة المشهد في ظل التوترات الإقليمية والدولية المحيطة بالممرات البحرية.
فمن مضيق هرمز إلى باب المندب تمتد أهم شرايين الطاقة والتجارة في المنطقة، وأي اضطراب متزامن في هذين الممرين ستكون له تداعيات لا تقف عند حدود اليمن والخليج، بل تمتد إلى الاقتصاد العالمي وسلاسل الإمداد وأسعار النقل والطاقة.
وهنا تحديدًا تظهر خطورة المشروع الإيراني في اليمن.
فوجود ميليشيا حليفة لطهران بالقرب من باب المندب يمنح إيران ورقة جيوسياسية إضافية تستطيع توظيفها في صراعاتها ومفاوضاتها الإقليمية والدولية.
ولهذا لم تعد معركة استعادة الساحل الغربي مسؤولية يمنية فقط، بل أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بأمن البحر الأحمر ودول الجوار والمصالح الدولية.
- المطلوب: جبهة واحدة وقرار واحد
المرحلة الحالية لا تحتمل استمرار تشتت القوى المناهضة للحوثي.
المطلوب إعادة ترتيب جبهة الساحل الغربي بصورة كاملة، وتوحيد القيادة والقرار العسكري، والتنسيق الفاعل بين مختلف الجبهات في إطار مؤسسات الدولة اليمنية وبالتعاون مع التحالف العربي.
تعز ومأرب والساحل والحديدة ليست معارك منفصلة. الخصم واحد، والمشروع واحد، وبالتالي يجب أن تكون البوصلة واحدة.
إن توحيد الصفوف وإعادة بناء الجبهات ومعالجة مواطن الخلل ليست مجرد خيارات عسكرية، بل أصبحت ضرورة لحماية الجمهورية نفسها.
- السعودية واليمن.. معركة أمن مشترك
وفي قلب هذه المعادلة تأتي المملكة العربية السعودية، التي تقود التحالف العربي وتقف إلى جانب الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا.
فاليمن يمثل عمقًا إستراتيجيًا مباشرًا لأمن المملكة، وأي تمدد لمشروع حوثي مرتبط بإيران على البحر الأحمر وبالقرب من باب المندب يخلق تهديدًا لا يقتصر على اليمن.
ولهذا فإن دعم الدولة اليمنية وقواتها ومؤسساتها، سياسيًا وعسكريًا وتنمويًا، هو جزء من معركة أوسع لمنع اكتمال النفوذ الإيراني على جنوب الجزيرة العربية والبحر الأحمر.
ومن يقرأ طبيعة المصالح الإقليمية والدولية يدرك أن السماح للحوثيين بتحويل باب المندب إلى ورقة ابتزاز دائمة ليس أمرًا يمكن أن تتعامل معه دول المنطقة والعالم باعتباره شأنًا يمنيًا داخليًا.
نحن أمام مرحلة صعبة، ولا فائدة من تجميل الواقع، لكن الصعوبة لا تعني الهزيمة.
ما حدث يجب أن يكون بداية للمراجعة وإعادة البناء، لا بداية للاستسلام.
حاسبوا المقصر، صححوا الأخطاء، وحّدوا القيادة، وأعيدوا ترتيب الجبهات، لكن لا تمنحوا الحوثي انتصارًا نفسيًا فوق ما حققه في الميدان.
فالحرب لم تنتهِ في المخا، والجمهورية لم تسقط بتراجع جبهة.
المعركة اليوم أصبحت أكبر: معركة دولة في مواجهة ميليشيا، وجمهورية في مواجهة مشروع طائفي مسلح، وأمن وطني وإقليمي في مواجهة تمدد يقترب من أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
لا تنصتوا للمهزومين نفسيًا.. فالحروب لا تنتهي عندما يتقدم الخصم، بل عندما يفقد الطرف الآخر إرادة القتال.
وإرادة اليمنيين في استعادة دولتهم وجمهوريتهم يجب ألا تنكسر.
المعركة مستمرة، والكلمة الأخيرة لم تُكتب بعد.. والنصر، بإذن الله، سيكون حليف الجمهورية.