> «الأيام» غرفة الأخبار:

كشف تقرير دولي حديث اتساع أزمة المياه في عدن، مؤكدًا أن نحو ثلثي سكان المدينة يعيشون خارج نطاق خدمة المياه الحكومية، في وقت تواجه فيه العاصمة واحدة من أعقد أزمات البنية التحتية منذ سنوات، مع تراجع قدرة المؤسسة المحلية على تشغيل الشبكة وتحصيل الإيرادات.

وبحسب تقرير صادر عن مركز «أكابس» الدولي، فإن شبكة المياه في عدن لم تعد قادرة على مواكبة النمو السكاني والطلب المتزايد، رغم تشغيل 90 بئرًا من أصل 113. وأوضح التقرير أن الكميات المنتجة لا تغطي سوى نصف الاحتياج السنوي للمدينة، فيما لا تصل الشبكة العامة إلا إلى 69 في المائة من المساحة الحضرية.

وأشار التقرير إلى أن أزمة عدن لم تعد مرتبطة فقط بآثار الحرب، بل باتت مرتبطة أيضًا بتآكل الإدارة الخدمية، وارتفاع كلفة التشغيل، والاعتماد شبه الكامل على حقول مياه تقع خارج المدينة، في محافظات مجاورة، ما يجعل الإمدادات رهينة للتوترات السياسية وأزمات الوقود.

وأكد التقرير أن مؤسسة المياه في عدن تواجه انهيارًا ماليًا متسارعًا، إذ لا تتجاوز نسبة تحصيل الفواتير 20 في المائة من إجمالي المستحقات، بينما تستمر ظاهرة الربط العشوائي للشبكة، وتتسع الفجوة بين كلفة الإنتاج والتعرفة المفروضة على المستهلكين.

وأضاف أن البنية التحتية المائية في المدينة تعرضت لاستنزاف طويل، حيث خرجت غالبية الآبار القديمة عن الخدمة، ولم يتبق سوى 15 بئرًا من أصل 33 كانت تشكل المصدر الرئيسي لإمدادات المدينة في فترات سابقة، بالتزامن مع تدهور واسع في خطوط الضخ والتوزيع.


ولفت التقرير إلى أن الانقسام الحكومي الذي شهدته عدن خلال السنوات الماضية انعكس مباشرة على إدارة قطاع المياه، بدءًا من شراء الوقود وتشغيل الآبار، وصولاً إلى توزيع المساعدات والتدخلات الخارجية، ما أدى إلى حالة من الفوضى الإدارية داخل القطاع.

وفي تعز، وصف التقرير وضع المياه بأنه مرتبط بصورة مباشرة بخريطة السيطرة العسكرية، موضحًا أن أكثر من نصف الآبار الاستراتيجية ما تزال تحت سيطرة الحوثيين، الأمر الذي قلّص القدرة الإنتاجية وأبقى تشغيل القطاع خاضعًا لحسابات سياسية وأمنية.

وأوضح أن محاولات تشغيل مشاريع ضخ المياه من منطقة الحوبان كشفت هشاشة التدخلات المؤقتة، حيث أدى دعم قدمته منظمة اليونيسف لتوفير الوقود إلى رفع الإنتاج لفترة محدودة، قبل أن تتوقف العملية بالكامل عقب اقتحام الحوثيين مكتب المنظمة في صنعاء واعتقال موظفين تابعين لها.


كما أشار التقرير إلى تعثر عدد من مشاريع المياه في تعز نتيجة اعتراضات مجتمعية وخلافات محلية حول توزيع الاستفادة من المشاريع والجهات الممولة لها، بينها مشروع في حقل طالوق جنوب المدينة.

وفي المكلا، قال التقرير إن المدينة تبدو أقل تعرضاً للصراع المباشر على مصادر المياه، غير أن الأزمة هناك تتخذ شكلًا مختلفًا يرتبط بتهالك البنية التحتية وضعف التمويل وانخفاض الإيرادات.

وأوضح أن 69 بئرًا من أصل 175 في ساحل حضرموت خرجت من الخدمة بسبب الأعطال وتراجع إنتاجية المياه الجوفية، في حين ما يزال الاعتماد على الكهرباء التقليدية والوقود يشكل نقطة ضعف رئيسية أمام استقرار الخدمة.

وأضاف أن نسبة تحصيل الإيرادات في المكلا لا تتجاوز 11 في المائة، وهي من أدنى المعدلات المسجلة في قطاع المياه بالمناطق الخاضعة للحكومة.

وفي المقابل، قدّم التقرير مدينة سيئون بوصفها النموذج الأكثر استقرارًا في إدارة المياه، مستفيدًا من الاعتماد على الطاقة الشمسية وتحديث الشبكات وارتفاع مستوى التحصيل المالي، الذي وصل إلى نحو 90 في المائة.

وأشار إلى أن المدينة تمكنت من تغطية احتياجاتها اليومية المقدرة بـ25 ألف متر مكعب، رغم النمو السكاني، بفضل استبدال معظم الشبكة القديمة بأنابيب حديثة وتحسين عمليات التشغيل والصيانة.

ومع ذلك، حذر التقرير من استمرار تحديات الفاقد المائي في سيئون نتيجة التوصيلات غير القانونية، إضافة إلى نقص التمويل الحكومي اللازم لتوسعة الشبكات وتنفيذ مشاريع جديدة.

وخلص التقرير إلى أن مدناً مثل عدن والمكلا وتعز تواجه ضغوطًا متزايدة تهدد بانهيار خدمات المياه، في ظل تراجع الاستثمار وغياب الإصلاحات المؤسسية، بينما تبقى النماذج المستقرة مثل سيئون محدودة التأثير أمام أزمة بنية تحتية تتسع على مستوى البلاد.