> د. ريتا هاشم العيدروس*:

في كل بيئة تنظيمية، صغيرة كانت أو كبيرة، عامة أو خاصة، قد تأتي لحظة فارقة؛ لحظة يتحول فيها الكرسي من «تكليف وأمانة» إلى «غنيمة وصراع». 
  • وهنا تبدأ المأساة 
حين تتقدم «الأنا» على مصلحة العمل، تتراجع لغة الإنجاز. وبدلًا من أن تكون الأسئلة: كيف ننجح؟ كيف نخدم؟ وكيف نطوّر؟ تتحول الأولوية إلى إثبات الذات، وإضعاف الآخر، وإظهار من يملك النفوذ الأكبر.

عندها تتحول الاجتماعات من مساحات لصناعة القرار إلى ساحات للاستعراض، والمشاريع المشتركة من فرص للتكامل إلى ميادين للتنافس، وقد يصبح نجاح الآخر مصدر قلق، بدلًا من أن يكون نجاحًا للجميع.

لكن الخاسر الأكبر في هذا الصراع ليس طرفًا إداريًا بعينه، بل الموظف الذي يجد نفسه بين اتجاهات متباينة؛ فقد يُطلب منه الولاء بدلًا من أن يُقاس بأدائه وكفاءته، وقد تتأثر فرصه المهنية بموقعه من دوائر النفوذ، لا بما يقدمه من عمل، وقد يتحمل تبعات قرارات أو أخطاء لم يكن طرفًا فيها. 
  • الضحية ليست فردًا فقط
في أي بيئة تنظيمية، لا يتوقف أثر صراع الأنا عند حدود الموظف؛ فهناك مستفيد ينتظر خدمة قد تتعطل بسبب خلاف إداري، وموارد قد تُستهلك في مبادرات يغلب عليها الحضور الشكلي على الأثر الحقيقي، وسمعة تنظيمية قد تتراجع عندما يشعر الناس أن مصالحهم أصبحت رهينة للخلافات الداخلية.

والأخطر أن هذا الصراع قد يتخفى أحيانًا خلف عبارات تبدو مهنية، مثل «مصلحة العمل» أو «حماية النظام»، بينما يكون الدافع الحقيقي هو حماية النفوذ أو المكانة.

وهنا يصبح السؤال أكثر أهمية من معرفة من انتصر في الصراع:

هل نخدم العمل، أم نستخدم العمل لإثبات ذواتنا؟

قال رسول الله ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته».

فالمنصب ليس تشريفًا بقدر ما هو تكليف ومسؤولية. وقيمة المسؤول لا تُقاس بعدد الصلاحيات التي يمتلكها، ولا بعدد الأشخاص الذين يستطيع التأثير فيهم، وإنما بما يتركه من قدرة على استمرار العمل من بعده.

فالقائد الحقيقي هو من يبني نظامًا أكثر استقرارًا، وفريقًا أكثر قدرة، وبيئة أكثر عدلًا؛ يمنح الكفاءة مكانها، ويختلف دون أن يحوّل الاختلاف إلى خصومة، ويضع مصلحة العمل فوق اعتبارات الذات، حتى عندما يأتي الخلل من داخل منظومة العمل نفسها.

ماذا نترك خلفنا؟

في نهاية المطاف، قد لا يكون السؤال الأهم: من شغل المنصب؟ ومن كان الأقوى نفوذًا؟

بل: ماذا بنى؟

هل بنى فريقًا يستطيع الاستمرار من دونه؟

هل أسهم في بناء نظام تنظيمي عادل وقادر على العمل بكفاءة؟

هل ترك أثرًا حقيقيًا في المكان الذي تولى مسؤوليته؟

وهل انعكس ما أنجزه على جودة العمل والخدمة التي تصل إلى الناس؟

أم قضى سنواته يحرس موقعه، ويخشى أن ينتقل إلى غيره؟

إن فن الإدارة لا يبدأ من القدرة على امتلاك السلطة، بل من القدرة على إدارة الذات قبل إدارة الآخرين.

وحين يختار المسؤول أن يضع الأثر فوق الحضور، والخدمة فوق النفوذ، ومصلحة العمل فوق الذات، يتحول المنصب من مساحة للصراع إلى مساحة للبناء.

فالكراسي زائلة، والمناصب تتغير، لكن الأثر الذي يتركه الإنسان في الناس، وفي النظام، وفي العمل، هو ما يبقى.

* أكاديمية في مجال الرياضيات