الجمعة, 05 يونيو 2026
466
لم يعد الغش في امتحانات الثانوية العامة مجرد من حالات فردية معزولة يلجأ إليها بعض الطلاب تحت وطأة الخوف أو ضعف الاستعداد، بل تحول في بعض البيئات التعليمية إلى ظاهرة منظمة تمارس بصورة علنية، حتى بات مشهد تبادل الإجابات داخل القاعات، أو التغاضي عنها من قبل بعض المراقبين، جزءًا من واقع مألوف يمر مرور الكرام دون استنكار أو مساءلة حقيقية.
وهنا تكمن الكارثة؛ فالمشكلة لم تعد في سلوك طالب يبحث عن وسيلة للنجاة من امتحان صعب، وإنما في تحول الغش إلى ثقافة جماعية تكتسب شرعية ضمنية كلما اتسعت دائرة الصمت حولها.
إن الامتحانات في جوهرها ليست أوراقًا وأسئلة ودرجات فحسب، بل هي عقد أخلاقي بين الطالب والمؤسسة التعليمية والمجتمع. وحين يُخترق هذا العقد، لا تكون الخسارة مقتصرة على نزاهة الامتحان، بل تمتد إلى منظومة القيم التي يفترض أن يحملها الجيل القادم.
فالطالب الذي يتعلم أن النجاح يمكن أن يتحقق بالتحايل، وأن القوانين قابلة للتجاوز، وأن الرقابة يمكن الالتفاف عليها، يحمل معه هذه القناعات إلى مراحل لاحقة من حياته، لتصبح جزءًا من سلوكه في الجامعة والوظيفة والإدارة والشأن العام.
والأخطر من الغش ذاته هو ذلك التواطؤ الصامت الذي يسمح له بالانتشار. فعندما يحدث الغش أمام أعين المراقبين، أو عندما تتعامل بعض لجان الامتحانات مع المخالفات بمنطق المجاملة أو التساهل أو الخوف من ردود الأفعال، فإن الرسالة التي تصل إلى الطلاب واضحة وخطيرة في آن واحد: القواعد موجودة على الورق فقط، أما الواقع فله حسابات أخرى. وعندما يفقد النظام التعليمي قدرته على فرض معاييره داخل قاعة الامتحان، فإنه يفقد تدريجيًا هيبته وثقة المجتمع به.
ولا ينبغي النظر إلى ظاهرة الغش بمعزل عن الظروف المحيطة بها. فهناك تراجع في جودة التعليم، وضعف في التحصيل العلمي لدى أعداد كبيرة من الطلاب، وافتقار بعض المدارس إلى البيئة التعليمية المحفزة، فضلًا عن الضغوط النفسية والاجتماعية التي تجعل الامتحان يُنظر إليه باعتباره معركة مصيرية لا تحتمل الفشل. لكن هذه العوامل، مهما بلغت قسوتها، لا يمكن أن تكون مبررًا لتقنين الغش أو التعايش معه، لأن معالجة الخلل لا تكون بإنتاج خلل أكبر منه.
إن السماح بالغش لا يحل مشكلة ضعف التعليم، بل يخفيها مؤقتًا خلف أرقام ونتائج مضللة. فالطالب الذي يحصل على درجات مرتفعة دون امتلاك المعرفة الحقيقية ينتقل إلى مراحل تعليمية أعلى وهو يحمل فراغًا معرفيًا كبيرًا، لتتراكم الفجوات عامًا بعد آخر حتى تظهر في شكل خريجين يفتقرون إلى المهارات والكفاءات المطلوبة. وهكذا يتحول الغش من مشكلة داخل قاعة الامتحان إلى أزمة تمس جودة المخرجات التعليمية بأكملها.
كما أن أكبر الضحايا في هذه المعادلة هم الطلاب المجتهدون الذين اختاروا طريق الكفاح والاعتماد على الذات. فحين يشاهد الطالب المتفوق زميله يحصد الدرجات نفسها أو أعلى منها عبر الغش، يشعر بأن جهده لم يعد ذا قيمة، وأن العدالة التي يفترض أن تحكم العملية التعليمية قد تعرضت للاختلال. ومع تكرار هذه المشاهد تتراجع الحوافز نحو الاجتهاد، ويبدأ الإحباط بالتسلل إلى نفوس المتميزين، وهي خسارة لا تقل خطورة عن الغش نفسه.
إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب إرادة حقيقية لا إجراءات شكلية. تبدأ باستعادة هيبة الامتحانات وفرض اللوائح دون انتقائية، وتدريب المراقبين على أداء دورهم بمهنية واستقلالية، وتوفير آليات رقابية تمنع أي تهاون أو تواطؤ، مع محاسبة كل من يثبت تقصيره مهما كان موقعه. كما تتطلب بناء وعي مجتمعي يؤكد أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بالدرجات وحدها، وإنما بما يمتلكه الإنسان من علم وقدرة وكفاءة.
ومن الضروري أيضًا أن تتحمل الأسرة مسؤوليتها في ترسيخ قيمة النزاهة لدى الأبناء، لأن بعض أشكال الغش تجد تشجيعًا غير مباشر من بيئات اجتماعية تعتبر النتيجة أهم من الوسيلة، والشهادة أهم من المعرفة. وما لم يتغير هذا المفهوم، ستظل الجهود التربوية محدودة الأثر مهما بلغت شدتها.
إن الأمم لا تُبنى بالشهادات المزورة ولا بالنجاحات الوهمية، بل تُبنى بالعقول المؤهلة والطاقات الحقيقية. وكل تساهل مع الغش اليوم هو استثمار في الفشل غدًا، وكل صمت أمام انتهاك نزاهة الامتحانات هو مساهمة غير مباشرة في إضعاف مؤسسات الدولة والمجتمع مستقبلاً. فقاعة الامتحان ليست مجرد غرفة يجلس فيها الطلاب لساعات معدودة، بل هي مرآة تعكس مستوى احترام المجتمع لقيم العدالة والاستحقاق والنزاهة.
وحين يصبح الغش ممنهجًا، فإن القضية تتجاوز حدود التعليم لتتحول إلى إنذار أخلاقي واجتماعي يستوجب وقفة جادة من الجميع. فالمعركة الحقيقية ليست من أجل حماية ورقة إجابة، بل من أجل حماية جيل كامل من أن يتعلم منذ بداياته أن الطريق إلى النجاح يمكن أن يمر عبر بوابة الخداع. وعندما تنتصر النزاهة داخل قاعة الامتحان، ينتصر معها مستقبل الوطن كله.