الجمعة, 05 يونيو 2026
688
في أشد لحظات الصراع تعقيداً، تتجلى التناقضات وتبرز ازدواجية المعايير كلما ارتفع صوت المطالبة بإنصاف القضية الجنوبية. فعند كل حديث عن الحل، يلجأ المعارضون إلى توظيف الذاكرة بصورة انتقائية؛ فيستحضرون أحداثاً ويغيبون أخرى بما يخدم مصالحهم ومواقفهم السياسية. ومن هنا تنشأ إحدى أبرز الإشكاليات التي أسهمت في إطالة أمد الصراع وتعقيد فرص الوصول إلى تسوية عادلة ومستدامة.
يستحضرون من تاريخ الجنوب أحداثاً تعود إلى ما قبل عام 1967 وبعض المراحل اللاحقة له، وكأن الزمن توقف عند تلك المحطات، بينما يتجاهلون محطات مفصلية أكثر تأثيراً، من قيام الوحدة في 22 مايو 1990 بين دولتين معترف بهما دولياً إلى نتائج حرب السابع من يوليو 1994 وما ترتب عليها من تحولات لا تزال آثارها حاضرة حتى اليوم. وهكذا لا يُقرأ التاريخ بوصفه مساراً متكاملاً للأحداث، بل تُنتقى منه الوقائع التي تخدم مواقف معينة، وتُستبعد الحقائق التي قد تفرض قراءة مختلفة للواقع والقضية.
وتتجلى هذه الانتقائية أيضاً في طريقة التعاطي مع القوى الاجتماعية والسياسية الجنوبية. فبينما يجري الاعتراف بالسلاطين والمشايخ والأعيان والتكوينات التقليدية بوصفها ممثلة للجنوبيين، يتم في المقابل تجاهل الحراك الجنوبي الذي نشأ كتعبير سياسي واجتماعي واسع عن تطلعات الجنوبيين، قبل أن تتوحد مكوناته الرئيسية تحت مظلة المجلس الانتقالي الجنوبي. وهنا يبرز التناقض بوضوح؛ إذ تُقبل بعض أشكال التمثيل الاجتماعي، بينما تُرفض أخرى لمجرد أنها لا تتوافق مع الرؤية السياسية لبعض الأطراف.
إن أخطر ما في هذا النهج أنه لا يكتفي بإعادة إنتاج الخلافات، بل يسهم في إطالة أمد الصراع ذاته. فحين يُستدعى الماضي بصورة مجتزأة، ويُتعامل مع الوقائع بمنطق الانتقاء، يصبح من الصعب الوصول إلى فهم مشترك للتاريخ أو بناء أرضية واقعية للحلول. فالمجتمعات لا تحقق الاستقرار عبر استحضار نصف الحقيقة وتجاهل نصفها الآخر، ولا يمكن بناء مستقبل متوازن على قراءة انتقائية للأحداث.
إن القضية الجنوبية تظل جوهر الصراع القائم، وأي محاولة لمعالجتها عبر استدعاء مخاوف الماضي بدلاً من مواجهة استحقاقات الحاضر لن تقود إلى حلول حقيقية أو استقرار دائم. فإعادة تدوير الأزمات التاريخية كلما اقترب الحديث عن إنصاف القضية لا تخدم سوى تعقيد المشهد وتأجيل المعالجة.
فهل آن الأوان للتوقف عن الانتقائية في قراءة التاريخ والانتقال إلى معالجة جوهر القضية الجنوبية؟ إن استمرار استدعاء الأزمات القديمة لم يعد يقنع أحداً، بل يكشف عجزاً عن التعامل مع الواقع كما هو. لقد تعلم الجنوبيون من تجاربهم ما يكفي، وهم الأقدر على تقرير مستقبلهم وصياغة خياراتهم السياسية بعيداً عن الوصاية والتخويف بالماضي. فالمستقبل لا يُبنى على مخاوف الأمس، بل على حقائق اليوم وإرادة الشعوب، لأن الذاكرة الانتقائية لا تصنع سلاماً، بل تطيل أمد الصراع.