أخر تحديث للموقع
الاثنين, 22 يونيو 2026 - 12:53 ص بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • الإصلاح حين يُعلَن ولا يُنفَّذ

    د. جلال حاتم




    ليس كل بيانٍ إصلاحًا، وليس كل إعلانٍ بدايةً لمسارٍ جديد.

    أصدرت وزارة المالية (عدن) بتاريخ 4 أبريل 2026م بيانًا حول"إطلاق برنامج مالي لاستئناف الإصلاحات الاقتصادية" بدا - للوهلة الأولى - كأنه لحظة انعطافٍ في مسار اقتصادٍ أنهكته الحرب والانقسام والتآكل. لغةٌ قوية، تشخيصٌ واضح، ومفرداتٌ تنتمي إلى قاموس الدولة الحديثة: الحوكمة، الشفافية، الاستدامة، الانضباط المالي.

    لكن السؤال الذي يجب أن نطرحه - بعد مرور أكثر من شهرين - هو: هل نحن أمام إصلاح حقيقي، أم أمام بيانٍ يُحاول أن يبدو كذلك؟

    فالبيان يعترف بأن النفط يمثل نحو 65 % من موارد الدولة، وأن هذه الموارد قد توقفت. وهنا تحديدًا تبدأ المشكلة، ولا تنتهي.

    كيف يمكن الحديث عن "إعادة بناء المسار المالي" دون أن نعرف كيف ستعود صادرات النفط؟ ما هي البدائل المؤقتة؟ وما هي خطة تنويع الإيرادات؟ إلا إذا كانت هذه الأمور سرًا من أسرار أمن الدولة.

    الإصلاح المالي لا يُبنى على النوايا، بل على الموارد. والدولة التي تفقد مصدر دخلها الرئيس، لا يكفيها خطاب إصلاحي، بل تحتاج إلى استراتيجية بقاء اقتصادي.

    ولو عدنا إلى البيان، لوجدناه يقول إنه ينتقل من "مرحلة التشخيص إلى مرحلة التنفيذ". وهذا أمر حسن. لكن أين التنفيذ؟ حيث لم يرد في البيان ما يدل على وجود جدول زمني، ولا مؤشرات أداء، ولا أهداف رقمية، ولا مراحل واضحة. نحن أمام مفارقة صارخة فحواها، لغة تنفيذ.. بلا أدوات تنفيذ. وهذا ما يجعل البيان أقرب إلى "إعلان نوايا" منه إلى "برنامج إصلاح".

    تحدث البيان عن تفعيل الرقابة، ومكافحة الفساد، وضبط الموارد، وإعادة تفعيل المؤسسات. لكن الحقيقة التي يعرفها الجميع ولا تُقال: لا يمكن إصلاح المالية العامة في ظل انقسام مالي ومؤسسي عميق. كيف يمكن توحيد الإيرادات، وهناك أكثر من مركز جباية؟ وكيف يمكن ضبط الإنفاق، وهناك أكثر من سلطة فعلية؟ وكيف يمكن تفعيل الرقابة، والمؤسسات نفسها ضعيفة أو منقسمة؟

    الإصلاح ليس مجرد أدوات.. بل بيئة. والبيئة هنا ما تزال مختلة جذريًا.

    والبيان كرَّر الحديث عن استعادة الثقة، وجذب المانحين، وتعزيز المصداقية الدولية، وتفعيل العلاقة مع صندوق النقد الدولي. وهذا ليس خطأ، لكنه يكشف شيئًا أعمق: هل الإصلاح موجّه لإعادة بناء الاقتصاد، أم لإقناع الخارج بأننا نُصلح؟ الفرق كبير بين إصلاح يُصمم للناس، وبين إصلاح يُكتب للمانحين.

    ما نراه هنا ليس مجرد خلل فني في السياسات، بل أزمة أعمق بكثير. نحن أمام نموذج واضح لما يمكن تسميته بــ "إصلاح بلا سيادة، وإدارة بلا دولة مكتملة".

    نستورد أدوات الإصلاح، نستخدم لغة المؤسسات، نتحدث عن الحوكمة والانضباط.. لكننا نتجاهل السؤال الأكبر: هل لدينا دولة قادرة على تنفيذ هذا كله؟

    ماذا يحتاج البيان ليصبح بيانًا حقيقياً؟

    يجب أن يتحول إلى برنامج جاد معلن، عبر إضافة:

    1 ) آلية تنفيذ وجدول زمني (6 أشهر–12 شهرًا –24 شهرًا).

    2 ) مؤشرات أداء واضحة: تحديد نسبة مئوية لزيادة الإيرادت، ونسبة مئوية لخفض العجز مثلًا.

    3 ) خطة بديلة للنفط قابلة للتنفيذ.

    4 ) آلية توحيد الموارد.

    5 ) ضمانات تنفيذ وليس فقط "نوايا".

    لا يمكن إنكار أن هناك إرادة لإعادة ضبط المسار. لكن الإرادة وحدها لا تكفي. الإصلاح الحقيقي يحتاج موارد، ومؤسسات موحدة، وسلطة تنفيذية فعالة، وبيئة سياسية مستقرة. وما لم تتوفر هذه الشروط، فإن كل بيان - مهما كان متماسكًا لغويًا – سيظل مجرد محاولة للاقتناع بالواقع.. بدلًا من تغييره.

    كلمة أخيرة

    الاقتصاد لا يُدار بالبيانات، بل بالقرارات ومتابعة تنفيذها. ولا يُنقذ بالشعارات، بل بالسياسات المؤلمة أحيانًا. أما أن نظل نُعلن الإصلاح، دون أن نمتلك أدواته، فذلك ليس إصلاحًا، بل هو تأجيلٌ منظمٌ للأزمة.

المزيد من مقالات (د. جلال حاتم)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال