أخر تحديث للموقع
الاثنين, 22 يونيو 2026 - 12:53 ص بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • لماذا تعثرت الحوارات الجنوبية السابقة؟

    عبدالكريم قاسم




    في كل مرة يُطرح فيها مشروع حوار جنوبي–جنوبي تتجدد الآمال بإمكانية تجاوز الانقسامات السياسية والوصول إلى رؤية مشتركة تخدم القضية الجنوبية وتوحد الجهود نحو تحقيق أهدافها. غير أن هذه الآمال كثيرًا ما كانت تصطدم بواقع معقد جعل معظم الحوارات السابقة عاجزة عن تحقيق اختراق حقيقي، أو حتى عن بناء أرضية صلبة للتوافق بين مختلف القوى والمكونات الجنوبية.

    ورغم تعدد التفسيرات لأسباب هذا التعثر، فإن هناك سببًا محوريًا ظل حاضرًا بصورة مباشرة أو غير مباشرة في معظم التجارب السابقة، ويتمثل في غياب الاستقلال الكامل للقرار السياسي لدى بعض الأطراف المشاركة في تلك الحوارات.

    فالحوار، بطبيعته، هو عملية بحث مشتركة عن حلول وسط وتوافقات وطنية. لكنه يفقد جوهره عندما يدخل المشاركون إليه وهم مقيدون باعتبارات خارجية أو ملتزمون بحسابات لا تنبع من المصلحة الوطنية التي يفترض أن تكون محل النقاش. وعندها تتحول طاولة الحوار من مساحة لإنتاج الحلول إلى ساحة لتصفية الحسابات أو لتجسيد صراعات الإرادات المتنافسة.

    لا يمكن إنكار أن القضية الجنوبية، بحكم موقعها وأهميتها السياسية والاستراتيجية، كانت وما تزال محل اهتمام قوى إقليمية ودولية عديدة. كما لا يمكن إنكار أن بعض القوى الجنوبية أقامت خلال مراحل مختلفة علاقات وتحالفات مع أطراف خارجية، سواء بدافع الحاجة السياسية أو العسكرية أو المالية. غير أن المشكلة لا تكمن في وجود العلاقات بحد ذاتها، فالعلاقات الخارجية جزء طبيعي من العمل السياسي، وإنما تكمن في اللحظة التي تصبح فيها هذه العلاقات مؤثرة في القرار الوطني أو مقدمة على المصلحة العامة.

    لقد أظهرت التجارب أن كثيرًا من الخلافات التي بدت في ظاهرها خلافات بين مكونات جنوبية كانت في حقيقتها انعكاسًا لاختلاف الجهات الداعمة أو تضارب المصالح المرتبطة بها. ولهذا كانت بعض الحوارات تبدأ بأجواء إيجابية وتوقعات متفائلة، لكنها سرعان ما تدخل في حالة من الجمود أو الانقسام عندما تصل إلى القضايا الجوهرية التي تتقاطع فيها المصالح الخارجية.

    ومن هنا فإن أي حوار جنوبي جديد يحتاج إلى معالجة هذه الإشكالية من جذورها، لا من خلال تبادل الاتهامات أو إصدار أحكام التخوين، وإنما عبر الاتفاق على قواعد واضحة تحكم العملية الحوارية. ومن بين هذه القواعد الشفافية الكاملة في العلاقات السياسية والتمويل والدعم، وإقرار مبدأ أن القرار النهائي يجب أن يصنع داخل قاعة الحوار وبإرادة جنوبية مستقلة، لا أن يكون انعكاسًا لرغبات أو ضغوط تأتي من خارجها.

    كما أن نجاح الحوار يتطلب الانتقال من منطق الغلبة والإقصاء إلى منطق الشراكة. فالقضايا الوطنية الكبرى لا تُحل بإقصاء الخصوم أو تجاهلهم، بل بالاعتراف بوجودهم وحقهم في المشاركة. وكلما اتسعت دائرة المشاركة الحقيقية، ازدادت فرص الوصول إلى نتائج قابلة للحياة والاستمرار.

    إن أبناء الجنوب الذين عانوا عقودًا من الصراعات والانقسامات يتطلعون اليوم إلى حوار يختلف عن سابقاته؛ حوار لا يُدار تحت سقف المصالح الضيقة، ولا يُستخدم لإعادة إنتاج الأزمات القديمة، بل يؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها القرار الجنوبي نابعًا من إرادة الجنوبيين أنفسهم.

    فالتاريخ السياسي يعلمنا أن الشعوب لا تخسر عندما تختلف، وإنما تخسر عندما تعجز عن إدارة اختلافاتها بصورة مستقلة وحرة. وإذا كان هناك درس يمكن استخلاصه من الحوارات الجنوبية السابقة، فهو أن استقلال القرار الوطني ليس نتيجة للحوار فحسب، بل هو أيضًا أحد أهم شروط نجاحه.

    ولهذا فإن المعيار الحقيقي للحكم على أي حوار جنوبي قادم لن يكون عدد المشاركين فيه أو حجم التغطية الإعلامية التي يحظى بها، وإنما مدى قدرته على تحرير إرادة المشاركين من الضغوط الخارجية، وجعل المصلحة الجنوبية العليا المرجعية الوحيدة لأي اتفاق أو تفاهم يتم التوصل إليه.

المزيد من مقالات (عبدالكريم قاسم)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال