الاثنين, 22 يونيو 2026
99
عاش الحضارم تفاصيل كأس العالم تحت دوي القصف والمدافع لجحافل الجيش الشمالي وهو يجتاح الجنوب، وعشنا ليالي بعض مباريات كأس العالم عام 1994م والقوات المعادية على مشارف المكلا. واكتملت مأساة هذه الكأس التي صُنعت أصلًا للفقراء والشعوب، ليلتف حولها كل فئات البشر، ويجعلونها بمثابة ائتلاف للتعايش والسلم والمحبة.
ولكنها في الفترة الأخيرة، وإن جعلوا عنوانها الشعوب والتضامن من دون تفرقة أو تمييز أو غرس تقاليد وسخة ومقززة، إلا أن القوى الكبرى غيّرت المفهوم، وسيّرت أفكارًا تقوم على كراهية الإنسان لأخيه الإنسان، وغرست تقاليد مخالفة لطبيعة البشر وفطرة الإنسان، وأدخلتها عنوة إلى الوسط الرياضي لكأس العالم، فيما هي لا صلة لها، لا من بعيد ولا من قريب، بمسألة الرياضة عامة وكرة القدم خاصة.
وانحرف هدف التضامن بين الشعوب ورفع شعار الصداقة إلى التمييز وصناعة الحواجز التي تفتعلها القوى والحكومات لنفسها إرضاءً للبغض ضد البلدان النامية والفقيرة أو الثورية، أو تلك التي لها رأي فيما يخص حقوق الشعب الفلسطيني وموقفها من سياسة أمريكا وما تمارسه من حروب وانتهاكات وظلم لغيرها من الشعوب المسالمة والضعيفة.
قلنا إننا في حضرموت عشنا بمرارة مع كأس العالم، ونتذكره غير مأسوف عليه، لأن القوى الباغية هي هي، ولا تزال راضية بأن تُنتهك الأرض والحقوق. وسكتت، وكانت الشاشات يومها مليئة بمباريات كرة القدم المقامة في أمريكا، وانشغلوا بصناعة سلطة عالمية كبرى هي أهم عندهم من حقوقنا التي داستها المجنزرات تحت مرأى ومسمع الجميع.
ليلة سقطت المكلا، أتذكر أن المباراة كانت تُجرى بين أمريكا والبرازيل في دور الـ16، وكانت المكلا حزينة بشدة. فقد استُهدف ذلك اليوم القائد الفذ الشهيد صالح أبوبكر بن حسينون على مدخل المكلا الغربي بالقرب من نادي الضباط سابقًا، وعلى بُعد رمية حجر من منطقة أربعين شقة.
وكان معظم القيادات والسياسيين الجنوبيين قد فروا وتركوا ميادين القتال، إما عبر مطار الريان، أو برًا مرورًا بالشحر والغيظة إلى عُمان. كان كل شيء أسود تلك الليلة، وكنا قلة في الشرج نتولى إدارة ما تبقى، وأتذكرهم جميعًا.
أما عوائلنا فقد غادرت إلى خارج المكلا، وصوت معلق المباراة يعيد العبارات ويصرخ، وكانت الجماهير تصرخ داخل الملاعب، ووجوه البنات والمشجعين تتصف بأشكال غير ما هو على وجوهنا وداخل صدورنا. إنها إحدى الليالي التي لا تُنسى، وكيف تُنسى؟
هو كأس العالم الذي جعلناه عربيًا ويحمل كل تقاليدنا حين استضافته دولة قطر، فأنصفتنا به، إذ طغت كل عادات العرب التي تتسم بالمحبة والروح الإنسانية، وقدمت للعالم كأس عالم بعيدًا وخاليًا من التفرقة أو التلوث بمظاهر المثلية، وجعلت من صوت الأذان مفتاحًا للسلام، وإكرام الضيف والسماحة والتعايش أمرًا يفيض بكل مشاعر القطريين والعرب ومفهوم كأس العالم الذي يجب أن يحتوي على التعايش، فلم يُطرد أحد ولم يُمنع شخص من أي بلد كان.
وما الذي حدث في كأس العالم بأمريكا؟ طُرد الحكم الصومالي عمر أرتان من دون سبب، إلا لحقد دفين في قلب الأمريكيين تجاه الصومال. وحين عاد مرفوع الرأس استقبلته الصومال كلها، بينما لم يكلف اتحاد الكرة (فيفا) نفسه حتى إصدار تصريح من الواجب أن يساند فيه هذا الحكم ويعيد له مكانته واعتباره.
لكن الميزان هنا مختل تمامًا، ولم يعد الحديث عن حقوق الشعوب، إذ تغلبت الوحشية في الأخلاق وانتفت الإنسانية. فهناك مقاطعة لروسيا ومنعها من التصفيات الأولية والمشاركة منعًا باتًا، وخضع كأس العالم و«فيفا» لسياسات منحازة لرأي القوى المتنفذة القديمة والجديدة، بل سارا في ركوب الأطماع التوسعية، وتغير وجه الكرة من الملامح البريئة السمحة الفقيرة الشعبية إلى عصا غليظة ودسائس وحروب خفية، وانتُزعت منها العفوية والمحبة، وقبل كل شيء ميزان العدل الذي يضبطها أولًا وأخيرًا.
أعيدوا لنا كأس العالم الذي نحبه.