أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 11:39 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • كم مرة يُلدغ الوطن؟

    إلهام محمد زارعي




    قال رسول الله ﷺ: «لا يُلدغ المؤمن من جحرٍ واحدٍ مرتين».

    ولعل هذا الحديث لا يخاطب الفرد وحده، بل يخاطب الأمم أيضًا. فالأوطان، كما البشر، قد تتألم، لكنها لا ينبغي أن تكرر الخطأ نفسه حتى يصبح الألم عادة، وحتى تتحول المأساة إلى أسلوب حياة.

    واليمن واحدٌ من أكثر الأوطان التي عرفت معنى اللدغة. لكن اللدغة ليست دائمًا رصاصة، وليست دائمًا انفجارًا، وليست دائمًا حربًا تدور على الجبهات. فالحرب في حقيقتها تبدأ قبل ذلك بكثير؛ تبدأ بكلمةٍ تُزرع في بيت، وبفكرةٍ تُربَّى في عقل، وبتمييزٍ ينشأ بين أبناء الأسرة الواحدة، وبعصبيةٍ تكبر حتى تصبح جدارًا بين الجيران، ثم بين المدن، ثم بين أبناء الوطن كله.

    إن أول لدغة يتلقاها المجتمع ليست في ميدان القتال؛ بل في غرفة الجلوس. حين يتعلم الطفل أن المختلف عنه خصم، وأن الغضب ينتصر على الحوار، وأن الصوت المرتفع أقوى من الحجة، فإن تلك ليست تربية عابرة، بل هي أول خيط يُنسج في ثوب حربٍ قد لا يراها ذلك الطفل إلا بعد سنوات. ولهذا فإن الأسرة ليست مجرد مكانٍ نعيش فيه، بل هي المدرسة الأولى التي يتخرج منها المجتمع بأكمله. فإن خرج منها التسامح، امتلأت به الشوارع. وإن خرج منها الاحترام، صار قانونًا غير مكتوب بين الناس. وإن خرج منها التعصب، فلن تستطيع أكبر المؤسسات أن تمحو آثاره بسهولة.

    لقد لُدغ اليمن مرارًا من جحر الانقسام، حتى أصبح كل جيل يظن أنه يعيش المأساة لأول مرة، بينما التاريخ يكرر المشهد نفسه بأسماء جديدة ووجوه مختلفة. تتبدل الشعارات، وتتغير الرايات، لكن الدموع التي تسقط على وجوه الأمهات هي نفسها، والطفل الذي يفقد أمانه هو نفسه، والبيت الذي يخلو من ضحكاته هو نفسه.

    وهنا يبرز السؤال الذي يجب أن يؤرق ضمير كل يمني:

    هل تعلمنا من اللدغات، أم أصبحنا نتعايش معها حتى فقدنا الإحساس بخطرها؟

    إن أخطر ما تفعله الحروب ليس أنها تهدم الحجر، بل أنها تُطبع النفوس على الانقسام، حتى يصبح الخلاف هو الأصل، ويصبح السلام فكرةً غريبة تحتاج إلى من يدافع عنها. ولذلك فإن إعادة إعمار اليمن لا تبدأ بالإسمنت، بل تبدأ بإعادة إعمار الإنسان. تبدأ حين يعود الأب قدوةً في الإنصاف، والأم مدرسةً في الرحمة، والبيت مساحةً للحوار لا ساحةً للخصام. فعندما يتعلم الطفل أن يختلف دون أن يكره، وأن يعفو دون أن يضعف، وأن يحب وطنه بكل مكوناته، يكون اليمن قد بدأ بالفعل يخرج من جحره الأخير.

    إن المجتمعات لا تنهار فجأة، بل تتآكل من الداخل، أسرةً بعد أسرة، وقلبًا بعد قلب. وكذلك لا تنهض فجأة، بل تُبنى بيتًا بعد بيت، وقيمةً بعد قيمة، حتى يصبح التماسك المجتمعي ثقافةً يعيشها الناس، لا شعارًا يرددونه. ولعل أعظم وفاءٍ لليمن اليوم ليس أن نستمر في إحصاء الخسائر، ولا أن نحفظ تواريخ الحروب، بل أن نمتلك الشجاعة لنقول: يكفي. أن نغلق الجحور التي خرجت منها كل تلك اللدغات؛ جحر الكراهية بالمحبة، وجحر التعصب بالعدل، وجحر الإقصاء بالإنصاف، وجحر الانتقام بالغفران، وجحر اللامبالاة بتحمل المسؤولية. فالأوطان لا تُنقذها الذاكرة وحدها، وإنما تنقذها الحكمة التي تولد من الذاكرة. وعندما تصبح كل أسرة يمنية حارسًا للقيم، وكل أبٍ وأمٍ صانعين للتماسك، وكل طفلٍ مشروعَ سلامٍ لا مشروعَ خصومة ، عندها فقط يستحق اليمن أن يقول للعالم، ولتاريخه، ولأبنائه القادمين:

    لقد لُدغنا كثيرًا لكننا أخيرًا تعلمنا كيف لا نُلدغ من الجحر نفسه مرتين.

    ودمتم سالمين.

المزيد من مقالات (إلهام محمد زارعي)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال