أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 10:58 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • المعركة التي لا تُرى: حين يصبح الوعي خط الدفاع الأول

    د. عبدالله المسوري




    في كل حرب... معركةٌ يراها الناس، ومعركةٌ أخرى تجري في مكان لا تُسمع فيه أصوات المدافع، ولا تُرى فيه حركة المقاتلين، لكنها قد تكون أشد أثرًا وأبعد مدى: معركة الوعي.

    فالحرب الحديثة لم تعد تعتمد على القوة العسكرية وحدها؛ إذ أصبحت المعلومة نفسها أداة من أدوات الصراع، وأصبحت الشائعة قادرة على إرباك مجتمع، والصورة المضللة قادرة على صناعة انطباع كاذب، والخبر غير الموثوق قادرًا على بث الخوف في نفوس الآلاف خلال دقائق.

    وهذا ما يجعل المعركة على الوعي في اليمن جزءًا لا يمكن تجاهله من المشهد العام. فقد تحوّل الفضاء الرقمي اليمني خلال السنوات الماضية إلى ساحة للصراع على الشرعية وتشكيل الرأي العام، مع وجود منظومات إعلامية ورقمية منظمة تعمل على صناعة الروايات وتكرارها وتوجيه الجمهور؛ لكن مواجهة هذا النوع من الحرب لا تكون بالكذب المضاد، ولا باختلاق الانتصارات، ولا بنشر كل ما يرفع المعنويات ولو كان غير صحيح؛ بل تبدأ من قاعدة أبسط وأقوى: الحقيقة.

    حين يكون الخبر صحيحًا، لا يحتاج إلى مبالغة. وحين يكون الموقف قويًا، لا يحتاج إلى صراخ. وحين تكون الحقيقة في صالحك، فإن أفضل ما تفعله هو أن تحافظ عليها من التشويه. لقد أثبتت التجربة أن الخبر في زمن الحرب قد يتحول إلى سلاح.

    مقطع قديم يُعاد نشره باعتباره حدثًا جديدًا، وصورة من بلد آخر تُقدَّم على أنها من إحدى الجبهات، وتصريح مبتور يُفصل عن سياقه، ثم تتكاثر الحسابات التي تعيد نشره حتى يتحول الكذب، في نظر البعض، إلى «حقيقة» لمجرد أنه تكرر كثيرًا.

    وهنا تكمن الخطورة.

    فالشائعة لا تحتاج إلى أن يقبلها الجميع؛ يكفي أن تُربك الناس، وأن تجعلهم عاجزين عن التمييز بين الحقيقة والكذب.

    لذلك فإن المواطن الواعي في زمن الحرب لا يسأل فقط: ماذا حدث؟

    بل يسأل أيضًا: من قال إن هذا حدث؟ وما مصدره؟ ومتى وقع؟ وهل توجد مصادر مستقلة تؤكده؟ وهل الصورة التي أمامي مرتبطة فعلًا بالحدث الذي يقال إنها توثقه؟

    هذه الأسئلة البسيطة قد تمنع عشرات الآلاف من الوقوع في فخ التضليل.

    لا تمنحوا الشائعة ما لا تستحق من الأخطاء الشائعة في الحروب أن نعيد نشر الشائعة بحجة تفنيدها.

    قد تكتب:«لا تصدقوا أن كذا حدث»، ثم تعيد في المنشور نفسه الصورة الكاذبة والعنوان المثير والتفاصيل الملفقة، فيخرج القارئ من المنشور وقد ترسخت في ذهنه الشائعة أكثر مما ترسخت الحقيقة، ولهذا ينبغي أن تكون المواجهة أكثر ذكاءً: لا تضخم الكذبة، بل قدّم الحقيقة. ولا تمنح الحسابات المضللة انتشارًا مجانيًا.

    ولا تجعل كل تصريح من الطرف الآخر حدثًا يستحق ساعات من النقاش، فبعض الدعاية تعيش على مجرد إعادة تداولها، حتى من خصومها.

    وقد أشارت دراسات حول الإعلام الحوثي إلى أن الاستثمار في الرواية الإعلامية والدعاية جزء من استراتيجية أوسع للتأثير في الرأي العام؛ ولذلك فإن التعامل مع الخطاب الدعائي يحتاج إلى تحليل هادئ، لا إلى انفعال يمنحه مزيدًا من الانتشار.

    معركة الوعي مسؤولية الجميع ليست مسؤولية الصحفي وحده، ولا مسؤولية الناشط وحده، ولا مسؤولية المؤسسات الإعلامية وحدها.

    إنها مسؤولية كل شخص يحمل هاتفًا ويملك حسابًا يستطيع من خلاله نشر خبر أو صورة أو مقطع، فأنت حين تضغط زر «نشر» لا تنقل معلومة فحسب؛ بل قد تنقل خوفًا، أو أملًا، أو شائعة، أو كذبة، أو حقيقة، ولهذا فإن أبسط قواعد الإعلام المسؤول في زمن الحرب هي: تثبت قبل أن تنشر. اسأل عن المصدر. تحقق من التاريخ والمكان.

    لا تنشر الصور المجهولة. لا تبنِ موقفًا على مقطع مبتور. ولا تجعل رغبتك في الانتصار سببًا لتصديق ما تتمنى أن يكون صحيحًا. إن أقوى إعلام في زمن الحرب ليس الإعلام الذي يصرخ أكثر، وإنما الإعلام الذي يُصدَّق أكثر.



    الكلمة الأخيرة

    المعركة على الأرض لها مقاتلوها، أما المعركة على الوعي فلها جنود آخرون: صحفي يتحرى، ومواطن يتثبت، وكاتب يلتزم الحقيقة، وناشط يرفض الشائعة، ومؤسسة إعلامية تدرك أن مصداقيتها أثمن من أي مكسب عابر.

    وفي زمن تختلط فيه الأخبار بالدعاية، يصبح الصدق قوة، ويصبح التثبت شجاعة، ويصبح الوعي حماية للمجتمع. لن نستطيع أن نمنع كل شائعة من الظهور، لكننا نستطيع أن نمنعها من أن تتحول إلى حقيقة في عقولنا. ولن نستطيع أن نتحكم في كل ما يُقال، لكننا نستطيع أن نتحكم فيما نصدقه، وما نعيد نشره، وما نمنحه من مساحة في وعينا.

    المعركة قد تُحسم في الميدان، لكن الوعي هو الذي يحمي المجتمع من أن يخسر نفسه في الطريق. ومن هنا تبدأ معركتنا الأولى: أن نعرف الحقيقة... ثم لا نسمح لأحد أن يسرقها منا.

المزيد من مقالات (د. عبدالله المسوري)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال