الأربعاء, 09 سبتمبر 2026
53
المشكلة اليوم أن الجنوب يتعرض لاستنزاف متعدد الجوانب، عسكريًا عبر الزج بقواته في حرب مفتوحة من دون أدنى ضمانات واضحة، وسياسيًا عبر التضييق على قضيته، ومحاولة تقليص هامش حضورها سياسيًا وشعبيًا وإعلاميًا، وملاحقة الناشطين الجنوبيين في أكثر من مكان، بل وتعليق القضية على وهم حوار يصاغ تقنيًا وسياسيًا بارادة خارجية، عداك عن حالة البؤس الاجتماعي الممتدة على طول وعرض زمن العاصفة.
والخطر أن تندفع مسارات متوازية؛ فتُستهلك القوة في الميدان، وتتراجع القضية في السياسة. وليس هذا فحسب، بل إن هناك ما يثير القلق بشأن إعادة تشكيل الهوية العسكرية الجنوبية نفسها، وتحويل بعض تشكيلاتها من قوة مرتبطة بقضية سياسية ووطنية إلى تشكيلات عقائدية تدين بالولاء لمفهوم "ولي الأمر".
ومع إدراك أن قرار الحرب لم يعد قرارًا داخليًا خالصًا، وأن القوات الجنوبية نفسها لا تملك قرارها بصورة كاملة، يظل السؤال، لماذا تُدفع وحدات جنوبية إلى جبهات الاستنزاف، بينما تبقى قوات تابعة لتيارات سياسية أخرى مكدسة في مناطق الشرق الجنوبي؟
ألم يصرح نائب وزير الخارجية بوضوح بأن تمدد قوات جنوبية نحو الشرق الجنوبي قد يقود إلى تحالف تيارات من "الشرعية" مع الحوثيين؟ وإذا كان هذا الموقف يعكس حقيقة سياسية قائمة، فدلالته شديدة الخطورة، إذ يصبح الحوثي عدوًا وفق محددات سياسية متغيرة، لأنه قد يتحول إلى حليف محتمل عندما تتقدم قوات جنوبية على أرض جنوبية.
وهذا يعني، في جوهره، أن تعريف الحوثي كعدو عند تلك الأطراف ليس محكومًا بثوابت واضحة بقدر ما تحكمه حسابات السياسة، وأن خصمهم الأكثر ثباتًا في قاموسهم، مهما تبدلت التحالفات، هو الطرف الذي يمثل تطلعات شعب الجنوب، ولديه قوة على الأرض.
وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا، إذا كانت التحالفات والخصومات قابلة لإعادة التموضع بهذه السرعة، فلماذا لا يظل للجنوبيين في المقابل صوت سياسي واضح، حين يُطلب منهم الذهاب إلى الجبهات من دون شروط سياسية لحماية قضيتهم؟.
كان الجنوبيون في طليعة من قاوم تمدد أنصار الله، ودفعوا الكلفة الأكبر، و أسندوا الجبهات المنكسرة مرارًا، كما يفعلون الآن. ومع ذلك، أصبح حتى استخدام الصفة الجنوبية لقواتهم اليوم موضع تضييق، وكأن المطلوب منهم أن يقاتلوا ويدفعوا الثمن بلا قيد أو شرط. والمفارقة المؤلمة أن تأتي لحظة الحصاد، فيجد من دفع الفاتورة الأثقل نفسه بلا رصيد سياسي.
أخيرًا: هذه الحرب هي آخر اختبار لشعار "تحرير صنعاء". وحين تنتهي بإرادة خارجية، من دون أن تتحرر صنعاء، أو حتى تتغير خطوط التماس، سيسقط الشعار بصورة نهائية، أما مروّجوه فسيبقون… فهؤلاء سيجدون مبررات جديدة، وصورًا باسمة أنيقة، من صالونات الدول المضيفة.