• تعريف بسورة المزمل
سورة المزمل من السور المكية، وعدد آياتها عشرون آية، وسُمِّيت بذلك لافتتاحها بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾، وهو وصف لحال النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- حين التفَّ بثيابه. وقد ذكرت الآيات الكريمة حال الرسول -صلى الله عليه وسلم- وقت نزول الوحي عليه، ملاطفةً وتأنيساً له، واستعداداً لقيام الليل.
  • سبب نزول سورة المزمل
جاء في سبب نزول سورة المزمل أن قبيلة قريش اجتمعت في دار الندوة تريد الكيد للنبي -صلى الله عليه وسلم- ولدعوته، فوصل خبر كيدهم إليه، فحزن وأصابه الغم، فالتفَّ بثيابه وتزمَّل ونام وهو مهموم.

فنزل جبريل -عليه السلام- على النبي -صلى الله عليه وسلم- بأول السورة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.

وتأخر نزول القسم الثاني من السورة، من قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ﴾، حيث تأخر نزول هذا الجزء عاماً كاملاً. فكان النبي -صلى الله عليه وسلم- ومجموعة من المؤمنين يقومون الليل حتى تورمت أقدامهم، ثم نزل القسم الثاني وفيه تخفيف على النبي -صلى الله عليه وسلم- والمؤمنين.

وقيل أيضاً في سبب نزولها ما واجهه الرسول الكريم من تآمر قريش، وكذلك ما أصابه من رهبة عند رؤية جبريل -عليه السلام- مرة ثانية بعد المرة الأولى التي بدأ فيها نزول الوحي. ويمكن الجمع بين الروايتين بأن نزول جبريل -عليه السلام- وافق حال تزمُّل النبي -صلى الله عليه وسلم-.
  • أسباب أخرى للنزول
وذُكر كذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لما نزل عليه جبريل -عليه السلام- وهو في غار حراء يتأمل ويتفكر في الكون، دار بينهما حوار، فقال جبريل: «اقرأ». فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ما أنا بقارئ». فكررها ثلاثاً، ثم قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾.

ثم رجع النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى زوجته خديجة بنت خويلد -رضي الله عنها- يرتجف من الخوف، وقال: «زملوني زملوني».

ونزلت سورة المزمل أيضاً لتُعالج آثار الوحي على قلب النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتحثَّه على طاعة الله -تعالى-، والالتزام بأوامره، والابتعاد عما نهى عنه، وعبادته في الليل والنهار؛ لتقوى صلته بربه، وتلاوة القرآن الكريم بتدبر وتفكر، والإكثار من ذكر الله -تعالى- في جميع الأحوال، والصبر على الدعوة وأذى المشركين.
  • محاور سورة المزمل
تتجلى التربية الإيمانية في مطلع السورة عند مخاطبتها للرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ فهي تخاطبه بالوصف الذي كان عليه حال نزول الوحي، وفي ذلك ملاطفة له وإعلاء لشأنه.

المحور الرئيس في السورة
المحور الرئيس هو الرسول -صلى الله عليه وسلم-؛ إذ خاطبه الله -تعالى- في بداية السورة بالوصف الذي ظهر فيه بعد نزول الوحي، وأمره بالعبادة وترتيل القرآن الكريم؛ ليسهل عليه تدبره وينشغل بذكره. وهذا توجيه للنبي -صلى الله عليه وسلم- وللأمة من بعده أن يسيروا على هذا النهج.
  • الاجتهاد في العبادة
ترسم الآيات منهجاً في دعوة النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى العبادة؛ فبدأت بالصلاة، وهي أهم العبادات وأجلها، إذ إذا صلحت صلح سائر العمل. والمداومة عليها تحتاج إلى صبر وثبات، كما دعت إلى قراءة القرآن الكريم ترتيلاً، وفي ذلك مزيد من التدبر.
  • قيام الليل
بدأت الآيات بتوجيه الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى قيام الليل، واستثنت جزءاً قليلاً للراحة، قال تعالى: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، ثم أشارت إلى قيام نصفه أو أقل من النصف، قال تعالى: ﴿نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾. ومن التوجيهات كذلك تدبر القرآن الكريم، وتلاوته والعمل بما جاء فيه.
  • الصبر على المشاق
تحث الآيات النبي -صلى الله عليه وسلم- على المضي بثبات على أمر الله -تعالى-، وأن يهجر من آذوه هجراً جميلاً؛ أي هجر الأذى مع الصفح والإعراض عن أقوالهم وأفعالهم المؤذية. فكل عمل شاق يحتاج إلى تدريب وجهد، وقراءة القرآن والمداومة على الصلاة وسائر العبادات أمور تحتاج إلى صبر.
  • لطائف وفوائد من السورة
قيام الليل مدرسة تربوية، وقد فُرض في بداية الدعوة الإسلامية لتثبيت الصحابة وتقوية قلوبهم حتى تتعلق بخالقها.

الصبر الجميل يتبعه الهجر الجميل، وهو هجر الأذى والابتعاد عنه، يعقبه صفح جميل لا يحمل في النفس كراهية ولا بغضاء، بل رضا تام.

الاستغفار كنز من كنوز الأعمال الصالحة، وبه خُتمت السورة، قال تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.

الاعتماد على الله -تعالى- في جميع شؤون الحياة، وكثرة ذكره، والانشغال بالطاعات.