- سبب نزول سورة الضحى
نزلت سورة الضحى في فترةٍ تأخر فيها نزول الوحي على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد أشاع المشركون الشائعات الكاذبة بسبب تأخر الوحي، فجاءت هذه السورة لتسكت ألسنتهم، وتُبشر النبي -صلى الله عليه وسلّم- برضا ربه عنه، فساقت جانباً من نِعم خالقه عليه، وتُرشد الأمة بالمداومة على مكارم الأخلاق.
وقد جاء في الحديث: (أَبْطَأَ جِبْرِيلُ علَى رَسولِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ-، فَقالَ المُشْرِكُونَ: قدْ وُدِّعَ مُحَمَّدٌ)،[٢] فأنْزَلَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: (وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إذَا سَجَى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلَى).
وفي هذا الحديث يخبر الصحابي جندب بن عبد الله أن جبريل -عليه السلام- الملك المُوكل بالوحي، احتُبس عن النبي -صلى الله عليه وسلّم- فلم يقم ليلتين أو ثلاث، وجَزع النبي -صلّى الله عليه وسلّم- لذلك جزعاً شديداً، وجاءت امرأة من المشركين يُقال إنها أم جميل امرأة أبي لهب، فقالت: يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، فأنزل الله -تعالى-: (وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إذَا سَجَى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلَى).
- تعريف سورة الضحى
وبيّنت الآيات عِناية الله بنبيه الأمين في أول أمره وآخره، وابتدأت السورة الكريمة بالقَسم على جلالة قدر الرسول -صلّى الله عليه وسلّم- وأن ربه لم يهجره، كما زعم المشركون، وأنه عند الله عظيم الشأن، وبشرّته بالعطاء الجزيل في الآخرة، وما أعدّه الله -تعالى- له من كرامات ومنها الشفاعة العظمى، وذكَّرته بما كان عليه بالصغر، من اليُتم والفقر والضياع، فآواه الله وأغناه، وأحاطه بعنايته.
وخُتمت السورة بوَصايا للرسول -صلى الله عليه وسلّم- بعدم نسيان نِعم الله عليه؛ فيعطف على اليتيم فلا يظلمه ولا يحقره، ويرحم السائل الذي يسأل عن حاجة وفقر فلا يزجره بل يعطه أو يرده ردا جميلاً، ويرشد العباد إلى طريق الرشاد.
وسُمّيت سورة الضحى باسم فاتحتها؛ حيث أقسم الله بوقت الضُحى، وهو صدر النهار حين ترتفع الشمس، ولأنّها نزلت بشأن النبي -صلى الله عليه وسلّم- فافتتحت بالضحى.
- مناسبة السورة لما قبلها
- ختمت سورة الليل بوعد من الله -تعالى- بإرضاء الأتقى في الآخرة، في قوله -تعالى-: (وَلَسَوْفَ يَرْضَى)، وقال -تعالى- في سورة الضحى مؤكداً وعده لنبيه -صلى الله عليه وسلّم- (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى).
- ذكر -سبحانه وتعالى- في سورة الليل (وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى)، وأتبعها في سورة الضحى بالنّعم التي أنعمها -عز وجل- على سيدنا محمد -صلّى الله عليه وسلّم-.
- أسرار سورة الضحى
إلا أنه ورَدَ عن ابنِ كثيرٍ في قراءته استحباب التكبير بعد قراءة سورة الضحى والسُّور التي بعدها حتى نهاية المصحف، وذلك لأنّهُ عند انقطاع الوحي عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- فترة من الزّمان، ثمَّ عاد إليه نزلت سورة الضحى فقام -صلى الله عليه وسلم- بالتكبير فرحاً وسروراً بعودة الوحي.
- فضائل سورة الضحى
ويجدر بالذكر أنه لم يرد دليلٌ على قراءة سورة الضحى عند فقدان شيء أو ضياعه، فالأولى ترك تخصيص قراءة السورة بشيء لم يرد عليه دليل أو نص عن النبي صلى الله عليه وسلم، أما من ناحية العموم فيجوز قراءة القرآن على سبيل التوسل إلى الله -سبحانه- لقضاء الحوائج، فذلك من التوسل بالعمل الصالح وهو مشروع.
- العبِر والدروس المستفادة من سورة الضحى
- التأكيد على أنّ الضيق لا يبقى، ولا بدّ أن يتبعه الفرج، وأنّ الله يرحم عباده مهما طالت مدة العناء والضيق، والعلم أنّ ما من عبدٍ يُبتلى إلّا وفرّج الله عنه، والقدوة في ذلك النبي -عليه الصلاة والسلام- الذي ابتُلي بعدّة ابتلاءاتٍ؛ كالفقر، واليُتم، وعلى العبد أن يتذكّر نعم الله عليه وقت ابتلائه، ولا يُنكر فضل الله عليه، ورحمته به.
- نزول السورة في بداية الدعوة الإسلامية، حين عانى المسلمون أشدّ أنواع العذاب النفسي والجسدي، فكانت السورة بمثابة الدعم للمسلمين؛ ليثبتوا على دينهم.
- تعميق قيم التكافل الاجتماعي بين المسلمين؛ وذلك من خلال العطف على اليتيم، من جميع نواحي الحياة الاجتماعية، والعلمية، والاقتصادية.
- التأكيد على الأخلاق الحميدة، التي يجب الحرص عليها في التعامل مع المساكين والفقراء؛ اقتداءً برسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-.
- شُكر الله -تعالى- الدائم على نِعَمه، صغيرةً كانت أم كبيرةً، قال الله -تعالى-: (وَإِذ تَأَذَّنَ رَبُّكُم لَئِن شَكَرتُم لَأَزيدَنَّكُم وَلَئِن كَفَرتُم إِنَّ عَذابي لَشَديدٌ).
- التأكيد على أهمية التعامل الحسن مع الآخرين، بالتشجيع، والتحفيز، وتعزيز الثقة بالنفس لديهم.
ذكر المقال أنّ سورة الضحى لم يرد حديث في تخصيها لقضاء الحوائج أو فقدان الأشياء أو كشف السحر وإنما يستحب التكبير بعد قراءتها والسور التي بعدها، كما ولخّص المقال أبرز العبر والدروس المستفادة من هذه السورة.



















