• ​سبب نزول سورة العصر
لم يرد في كتب التفسير والكتب التي تُعنى بذكر أسباب نزول السور القرآنيّة لسورة العصر سبب نزول، فهي من السور التي ليس لها سبب نزول، أيّ لم تحدث حادثة أو واقعة معيّنة وكان نزول سورة العصر عقِبها أو بسببها، فهذه السورة نزلت ابتداءً من غير سبب، ومعظم مقصود السورة هو الترغيب بالعمل الصالح و بيان أنّه هو الذي ينفع العبد في الآخرة.
  • سبب تسميتها سورة العصر
سُميّت سورة العصر بهذا الاسم لأنّ الله -عزّ وجلّ- قد أقسم في أول السورة بالعصر، حيث قال -سبحانه-: (وَالْعَصْرِ* إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ)، وقد تعدّدت أقوال أهل العلم في تفسير المقصود بالعصر؛ وفيما يأتي تفصيل أقوالهم:

- الدهر
المقصود بالدهر هنا الزمن كلّه، وقد استند أصحاب هذا القول إلى كون الدهر فيه الكثير من العِبَر والأدلّة الواضحة على قدرة الله العظيمة، ولتغيّر أحوال الناس وتبدّلها وانقلابها ما بين عشيّةٍ وضحاها، فكم من غنيٍّ صار فقيراً، وكم من عليلٍ أصبح صحيحاً، وهذا ممّا يراه العباد ويعاينوه، وحريٌّ بهم أن يعتبروا به.

- وقت صلاة العصر
وذلك لورود عدّة أدلّة تُبيّن فضل وأهمية صلاة العصر، ولأنّ التكليف في أدائها أشقّ، حيث يكون النّاس منشغلين بتجارتهم وأعمالهم في وقت أدائها.

- عصر النبوة
وهذا لفضيلة عصر النبوّة بالنسبة لما سبقه من العصور.
  • التعريف بسورة العصر
قال الألوسي إنّ سورة العصر هي إحدى سور القرآن القصيرة، ولكنّها جمعت علوماً كثيرة، وقد رُوي عن الشافعي أنّه قال: "لو لم ينزل من القرآن غير هذه السورة لكفت الناس، لأنّها شملت جميع علوم القرآن"، وفيما يأتي بعض المعلومات المتعلّقة بهذه السورة الكريمة:

سورة العصر هي سورة مكيّة عند الجمهور، وهو المنقول عن ابن عبّاس، وابن الزبير -رضيَ الله عنهم-، ونُقل عن مجاهد، وقتادة، ومقاتل أنّها مدنيّة.
عدد آيات سورة العصر هو ثلاث آيات، وعدد كلماتها هو أربع عشرة كلمة، وعدد حروفها هو ثمانية وستون حرفاً.

عُدّت سورة العصر السورة الثالثة عشر في ترتيب نزول سور القرآن الكريم.
نزلت سورة العصر بعد سورة الشرح وقبل سورة العاديات.

كان نزول سورة الشرح قبل الهجرة إلى الحبشة ومن المرجّح أن يكون نزول سورة العصر في هذا التاريخ أيضاً.

سُميّت سورة العصر في بعض التفاسير، وفي كتاب صحيح البخاري بـ "سورة والعصر" بإثبات الواو، وهذه هي الآية الأولى فيها.

تعدّ سورة العصر هي وسورتي الكوثر والنّصر أقصر ثلاث سور في القرآن الكريم.

ورد في بعض الكتب الحديثيّة وكتب التفسير أنّ الصحابة الكرام -رضيَ الله عنهم- لم يكن يُفارق أحدهم صاحبه حتّى يقرأ عليه سورة العصر.

سورة العصر هي السورة التالية لسورة التكاثر في ترتيب سور القرآن الكريم، والمناسبة بين هاتين السورتين هي أنّ الله -تعالى- بيّن لعباده في سورة التكاثر أنّ الانشغال والتهالك لأجل الدنيا مذموم وعاقبته سيئّة، ثمّ وضّح لهم في سورة العصر ما يجب عليهم الانشغال به من العمل الصالح وفعل الطاعات والتواصي بالخيرات.

ومن طرائف ما دار حولها: أنّ مسيلمة الكذاب أراد أن يحاكيها بعد أن سمعها من عمرو بن العاص، فقال: وأنا أُنزل علي مثلها، فقال: "يا وبر يا وبر، وإنما أنت أذنان وصدر، وسائرك حفر نقر"، ثم سأل عمرو عن رأيه فرد عليه: "والله لتعلم أني أعلم أنك تكذب".
  • فوائد سورة العصر
إنّ لتلاوة سورة العصر المباركة وتدبّر معانيها وتطبيق أحكامها في حياة المسلم والمجتمع المسلم فوائد جمّة، وقد دعا ذلك الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- ليقول عن فضلها: "لو تدبر الناس هذه السورة لوسعتهم"؛ لعظمتها واتساع معانيها، ونذكر كلّ آية ونستنبط بعض الفوائد لكل منها فيما يأتي:

- (وَالْعَصْرِ)  تبرز هذه الآية الكريمة أهمية الزمن "العصر"، ولأهميته أقسم به الله -سبحانه وتعالى-، وكان الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم- لا يتفرّقون بعد اجتماعٍ إلا ويقرأ أحدهم على الآخر سورة العصر؛ ففي الحديث: (كَانَ الرَّجُلانِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا الْتَقَيَا لَمْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَقْرَأَ أَحَدُهُمَا عَلَى الآخَرِ: " وَالْعَصْرِ إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ").

- (إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ) تبين هذه الآية الكريمة أن الإنسان خاسر لا محالة إلا إذا تمثّل الآية التالية وطبقها. (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر): إن الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر هو سبيل النجاة من الخسران المحقّق الذي حكمت به الآية السابقة على الإنسان.

- تبرز صيغ الجمع المذكورة في الآية الكريمة "آمنوا، عملوا، تواصوا" أهمية الاجتماع بين المؤمنين على الإيمان والعمل الصالح والتواصي بالحق والتواصي بالصبر.

- إن الاجتماع على الإيمان والقيام بالحق والسعي لإيجاده في واقع الحياة سيؤدي إلى الابتلاء لا محالة، وهذا ما حصل في حياة جميع الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- والمصلحين السائرين على نهجهم، ولذلك لا بد من التحلي بالصبر والتواصي به بين القائمين على الحق.

- الأمة المسلمة أمة مترابطة متراصة تتواصى -أي يذكِّر بعضها بعضًا ويحث بعضهم بعضًا- بالحق والخير، ويدعو فيها الناس بعضهم للصبر على القيام بواجب الحق الذي يحملونه.
  • مقاصد سورة العصر
اشتملت السورة الكريمة على مجموعة من المقاصد والأغراض، نذكر منها ما يأتي: تُثبت أنّ أهل الشرك ومن سار على نهجهم ممّن بلغهم الإسلام ولم يتبعوا هديه، أو من المسلمين العصاة خاسرون خسرانًا شديدًا. تُثبت نجاة وفوز أهل الإيمان والعمل الصالح والداعين للحق والداعين للصبر. تُبيّن أهمية الصبر والتواصي به.