• ​سبب نزول سورة المدثر
كان رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم- قد اعتزل في غار حراء مدة شهر، وعندما انقضت المدة وأراد العودة إلى بيته، إذا به يسمع صوتًا يناديه، فالتفت من حوله ونظر عن يمينه وعن شماله فلم يرَ أحدًا، ثم سمع الصوت يناديه مرة أخرى، فما إن رفع -عليه الصلاة والسلام- رأسه إلا وقد رأى جبريل -عليه السلام- على العرش في الهواء.

ففزع رسول الله وعاد إلى بيته وهو يقول: "دثروني، دثروني"، فأنزل الله -تعالى- سورة المدثر، وقد دلّ على ذلك قول رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-: (جاوَرْتُ بحِراءٍ شَهْرًا، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوارِي نَزَلْتُ فاسْتَبْطَنْتُ بَطْنَ الوادِي، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ أمامِي وخَلْفِي، وعَنْ يَمِينِي، وعَنْ شِمالِي، فَلَمْ أرَ أحَدًا، ثُمَّ نُودِيتُ فَنَظَرْتُ فَلَمْ أرَ أحَدًا، ثُمَّ نُودِيتُ فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فإذا هو علَى العَرْشِ في الهَواءِ، يَعْنِي جِبْرِيلَ عليه السَّلامُ، فأخَذَتْنِي رَجْفَةٌ شَدِيدَةٌ، فأتَيْتُ خَدِيجَةَ، فَقُلتُ: دَثِّرُونِي، فَدَثَّرُونِي، فَصَبُّوا عَلَيَّ ماءً، فأنْزَلَ اللَّهُ عزَّ وجلَّ: يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ).
  • مكان وزمان نزول سورة المدثر
تعدّ سورة المدثر إحدى السور المكية، ويبلغ عدد آياتها ستًا وخمسين آية، أما ترتيبها وفق الرسم القرآني فهي السورة الرابعة والسبعون، وقد كان نزولها بعد سورة المزمل وقبل سورة الفاتحة. وتجدر الإشارة إلى أنها ترتبط بالسورة التي قبلها، وهي سورة المزمل، ارتباطًا وثيقًا يظهر من خلال وجوه ثلاثة، وهي كما يأتي:

افتتاح كلتا السورتين بنداء رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-.

نزول صدر كلتا السورتين في قصة واحدة.

ابتداء سورة المزمل بأمر النبي -صلّى الله عليه وسلّم- بقيام الليل، الذي يعدّ بمثابة الإعداد النفسي حتى يصبح داعيًا إلى الله -تعالى-، ثم ابتدأت سورة المدثر بأمره -صلّى الله عليه وسلّم- بالبدء بالدعوة إلى الله -تعالى-.
  • سبب تسميتها سورة المدثر
سُمّيت سورة المدثر بهذا الاسم؛ لأن الله -تعالى- قد افتتحها بلفظ المدثر، وأصل اللفظ المتدثر، وهو الذي يتدثر بثيابه حتى يستدفئ فينام، ومنه الدِّثار. ويُراد بالمدثر في هذه السورة رسول الله -صلّى الله عليه وسلّم-، حيث وصفه الله -تعالى- بهذا الوصف.
  • الهدف العام من سورة المدثر
إن الهدف العام في القرآن الكريم لأي سورة هو هداية الناس للخير وإرشادهم إلى طريق الحق، وسورة المدثر حالها كحال أي سورة دعت لهداية الإنسان، وتذكيره باليوم الآخر والجنة والنار، ووعيد الله لأهل الكفر، ووعده لأهل الإيمان. كما ذكرت دلائل قدرة الله -تعالى- وعظمته، وعظمة خلقه للنار والملائكة.
  • أهداف خاصة بسورة المدثر
تعددت الأهداف الخاصة بسورة المدثر وتنوعت على النحو الآتي:

التحذير من عقاب الله -تعالى- ووعيده يوم القيامة، والتخويف من أحداث يوم القيامة، قال -تعالى-: ((فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ))، وذلك إنذار صارخ بشدة وعيد الله -تعالى- لمن كذب وكفر. وهي أداة من أدوات الداعية أن يكون منذرًا مرهبًا مع كونه مبشرًا مرغبًا، ولذلك كان من المناسب أن تكون السورة التي بعدها هي سورة القيامة.

التهديد المباشر لبعض مشركي مكة، ومنهم الوليد بن المغيرة المخزومي، حيث قال الله -تعالى- فيه: ((كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا * سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا))، إذ بيّن الله -تعالى- نعمه على هذا الجاحد من مال وولد، وكان يطمع أن يزيده الله أكثر، ولكنه كان عنيدًا مكذبًا لدعوة النبي -صلّى الله عليه وسلم- واتهمه بالسحر، فكان الرد مباشرًا بتهديده بسقر.

الوصف الدقيق لجهنم تخويفًا وتهديدًا لكل متكبر عنيد، وذلك في قوله -تعالى-: ((وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ)).

التدليل على مظاهر قوة وقدرة الله في خلقه، وعلى رأسهم الملائكة الكرام، لقوله -تعالى-: ((وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ)). وقد خصص الله -تعالى- ذكر الملائكة في هذه السورة؛ لأن المشركين قد استهزؤوا بهم عندما أخبرهم النبي -صلّى الله عليه وسلم- بأوصافهم ولقائه بهم، فكان من المناسب ذكر شيء من شأن الملائكة ردًا عليهم.

التأكيد على مسؤولية الإنسان عن تصرفاته الشخصية مسؤولية تامة، حيث يرتهن بها وتتعلق به تعلقًا لا انفكاك عنه، وسيحاسبه الله -تعالى- على كل تصرفاته يوم القيامة، قال -تعالى-: ((كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ)). فالمؤمن صاحب كتاب اليمين من أهل الجنة الفائزين، والكافر المكذب من أهل النار الخاسرين.

بيان الجرائم العظيمة التي تؤدي إلى دخول النار، وهي: ترك الصلاة، وعدم إطعام المسكين، والخوض مع الخائضين، والتكذيب بيوم الدين، وذلك في قوله -تعالى-: ((مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ)).

بيان حال المكذبين برسول الله -صلّى الله عليه وسلم- من أهل مكة، حيث شبّههم الله -تعالى- بالحمير المستنفرة الفارة من الأسد خوفًا من بطشه، وذلك في قوله -تعالى-: ((فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ * كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُّسْتَنفِرَةٌ * فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ))، وفي الآيات بيان واضح لشدة معارضة المشركين لدعوة النبي -صلّى الله عليه وسلم- وشدة معاناته مما لقي منهم.

التذكير بمغفرة الله ورضوانه لأهل التقوى، وأن الفضل كله من عند الله -تعالى-، ولن ينال هذا الفوز إلا من تذكر وسعى لرضا الله -تعالى-.
  • أهداف سورة المدثر المتعلقة بالنبي الكريم
هناك عدة أهداف لسورة المدثر تعلقت بالنبي -صلّى الله عليه وسلم-، وذلك فيما يأتي:

نزلت هذه السورة تثبيتًا للنبي -صلّى الله عليه وسلم- وتأكيدًا على نبوته، إذ إنه عندما رجع من غار حراء بعدما أُنزلت عليه سورة العلق "اقرأ"، طلب من السيدة خديجة -رضي الله عنها- أن تدثره، فأنزل الله مقدمة هذه السورة تأكيدًا لنبوته ونزول الوحي عليه.

أمر النبي -صلّى الله عليه وسلم- بتبليغ دعوة الله للبشرية، وذلك في قوله -تعالى-: ((يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ * قُمْ فَأَنذِرْ))، ومن المعلوم أن الله أرسله بشيرًا ونذيرًا للناس كافة، وأرسله للثقلين الإنس والجن.

نهي النبي الكريم عن الاستكثار عند العطاء، بمعنى ألا ينتظر عطاءً أكثر مما قدم، وهو توجيه خاص بالنبي -صلّى الله عليه وسلم-.