> د. سعيد شرياف:

في المقال الأول، حاولنا أن نقرأ التاريخ لا باعتباره صفحات مضت وانتهت، وإنما باعتباره تجربة ما تزال حاضرة في وعينا، وأن نفهم كيف يمكن للذاكرة أن تتحول من عبء يثقل الحاضر إلى وعي يساعدنا على صناعة المستقبل.
وفي المقال الثاني، انتقلنا من سؤال التاريخ إلى سؤال الدولة، ومن محاولة فهم ما كان إلى التفكير فيما ينبغي أن يكون، وطرحنا سؤالًا أكثر ارتباطًا بالمستقبل: أي جنوب نريد؟ وهل يكفي أن نستعيد الدولة، أم أن التحدي الحقيقي هو أن نبني دولة تتجاوز أخطاء الماضي، وتحمي الإنسان، وتصنع له مستقبلًا أفضل؟

لكن ثمة سؤالًا ثالثًا، ربما يكون أبسط من السؤالين السابقين، وأعمق منهما في الوقت نفسه:من أجل من نبني الدولة؟
قد نتحدث طويلًا عن السيادة، والحدود، والمؤسسات، والموارد، والقانون، والسلطة، والاقتصاد، وكلها قضايا أساسية في بناء الدولة، لكن هذه المفاهيم تفقد جزءًا كبيرًا من معناها إذا لم نعد، في النهاية، إلى الإنسان.

فالدولة ليست غاية في ذاتها،والوطن ليس مجرد مساحة على الخريطة، والمؤسسات ليست مباني تحمل أسماء رسمية، والقانون ليس نصوصًا محفوظة في الكتب.

كل ذلك وُجد في الأصل من أجل الإنسان؛ لكي يعيش آمنًا، ويحصل على حقه، وتحفظ كرامته، وتتاح له فرصة عادلة في الحياة، ويستطيع أن يخطط لغده دون أن يبقى أسيرًا للخوف أو الحاجة أو الواسطة أو تقلبات السياسة.
ومن هنا، ينبغي أن نعيد صياغة السؤال الجنوبي مرة أخرى، فبعد أن سألنا: كيف نقرأ تاريخنا؟ وسألنا: ماذا نريد أن نبني؟

علينا أن نسأل: ماذا نريد للإنسان الذي سيعيش في هذا الوطن؟
فإذا لم تكن الإجابة واضحة، فقد نبني دولة، ونختلف على شكلها، ونتنافس على مؤسساتها، ونرسم حدودها، ثم نكتشف بعد كل ذلك أننا لم نجب عن السؤال الأهم.

الوطن الذي يشعر فيه الإنسان أن له قيمة ربما يكون أول معنى للدولة التي نريدها هو أن يشعر الإنسان أن له قيمة. ليس بسبب منصبه، ولا بسبب قربه من السلطة، ولا بسبب منطقته أو أسرته أو علاقاته، وإنما لأنه مواطن. أن يعرف أن حقوقه لا تتوقف على معرفة شخص نافذ، وأن حصوله على وظيفة لا يحتاج إلى واسطة، وأن القانون ليس قويًا على الضعيف وضعيفًا أمام القوي. وأن تكون أبواب المؤسسات مفتوحة أمامه باعتباره صاحب حق، لا باعتباره تابعًا لأحد أو طالبًا لمنّة.

قد تبدو هذه التفاصيل صغيرة عندما نتحدث عن المشاريع السياسية الكبرى، لكنها في الحقيقة هي التي تصنع علاقة الإنسان بالدولة؛ فالإنسان لا يلمس مفهوم الدولة في الخطب السياسية فقط؛ بل يلمسه عندما يقف أمام مؤسسة حكومية، أو يذهب إلى المحكمة، أو يبحث عن عمل، أو يدخل مستشفى، أو يرسل أبناءه إلى المدرسة.

هناك، في هذه اللحظات اليومية البسيطة، تتشكل صورة الدولة في وعي المواطن.
  • الكرامة قبل كل شيء
ولا يمكن أن نتحدث عن دولة الإنسان دون أن نتحدث عن الكرامة؛ فالكرامة ليست شعارًا أخلاقيًا جميلًا، وإنما هي جوهر العلاقة بين المواطن والدولة، أن لا يُهان الإنسان لأنه فقير، وأن لا يُحتقر لأنه من منطقة معينة، وأن لا يُقصى لأنه يملك رأيًا مختلفًا، وأن لا يضطر إلى الانحناء أمام صاحب النفوذ كي يحصل على حق من حقوقه.

وأن يستطيع أن يختلف مع السلطة دون أن يتحول اختلافه إلى تهمة، وأن يعرف أن كرامته مصونة حتى عندما يكون في أضعف موقع.
الدولة التي تحفظ كرامة الإنسان لا تحتاج إلى أن تفرض عليه الانتماء؛ فاحترامها له يجعل الانتماء إليها شعورًا طبيعيًا.
  • العدالة التي يراها الناس في حياتهم
ثم تأتي العدالة، وليس المقصود بالعدالة فقط أن تكون هناك محاكم وقوانين، وإنما أن يشعر المواطن بأن القانون يعمل بالفعل، فالعدالة التي لا تصل إلى الناس تبقى فكرة جميلة على الورق.
وما يحتاجه المواطن هو قضاء يستطيع الوصول إليه، وقانون واضح، ومؤسسات لا تتغير أحكامها بتغير الأشخاص، ومحاسبة لا تستثني أصحاب النفوذ.

إن الدولة القوية ليست التي تعاقب كثيرًا، وإنما التي تمنع الظلم قبل وقوعه، وتجعل الجميع يعرفون أن الحقوق محفوظة، وأن التجاوز له ثمن.

والعدالة ليست انتقامًا من الماضي، كما أن المصالحة ليست تنازلًا عن الحقوق؛ بل إن بناء دولة مستقرة يحتاج إلى عدالة تستطيع أن تعالج المظالم دون أن تحولها إلى وقود دائم للصراع.
الأمن الذي لا يخيف الإنسان، وللأمن معنى لا يقل أهمية، نريد أمنًا يحمي الإنسان، لا أمنًا يجعل الإنسان يخاف.

نريد أن يستطيع المواطن أن يخرج من منزله ويعود إليه مطمئنًا، وأن تسير الطرق بأمان، وأن يشعر الأب والأم أن أبناءهما يستطيعون الذهاب إلى المدرسة والجامعة والعمل دون أن يصبح مستقبلهم رهينًا للانفلات، نريد قوة أمنية خاضعة للقانون، يعرف رجل الأمن أن مهمته حماية المواطن، ويعرف المواطن أن رجل الأمن موجود لحمايته، فالأمن ليس مجرد انتشار السلاح أو تعدد الأجهزة.
الأمن الحقيقي هو أن يصبح القانون أقوى من الخوف.

التعليم.. أن نمنح أبناءنا فرصة أفضل منا.. ثم نصل إلى التعليم.
وربما لا توجد قضية تكشف نظرتنا إلى المستقبل أكثر من الطريقة التي ننظر بها إلى أطفالنا وشبابنا.

إذا كنا نريد جنوبًا مختلفًا، فلا يكفي أن نتحدث عن الماضي أمام الأجيال الجديدة؛ علينا أن نعطيها ما يجعلها قادرة على صناعة مستقبلها.
مدرسة جيدة.
ومعلم يحظى بالتقدير.
وجامعة تستطيع أن تنافس.
وتعليم مهني يفتح أبوابًا جديدة.
ومناهج تساعد الطالب على التفكير، لا على حفظ المعلومات فقط.
فالطفل الذي يدخل المدرسة اليوم هو المواطن الذي سيقود المؤسسات غدًا.
وإذا أردنا مؤسسات نزيهة وقوية في المستقبل، فعلينا أن نبدأ ببناء الإنسان الذي سيعمل فيها.
  • العمل.. أن يكون للشباب مكان في المستقبل
ولعل أكثر الأسئلة إلحاحًا لدى الشباب هو سؤال العمل؛ فالشاب لا يريد أن يسمع فقط عن وطن جميل في المستقبل؛ إنه يريد أن يعرف أين مكانه في هذا المستقبل.

يريد فرصة يستطيع من خلالها أن يعمل بجهده، وأن يبدأ مشروعًا صغيرًا دون أن تصطدم خطواته بجدار البيروقراطية والفساد، وأن يجد وظيفة لأنه يمتلك الكفاءة، لا لأنه يملك واسطة، يريد أن يشعر أن سنوات تعليمه لم تكن طريقًا طويلًا ينتهي به إلى البطالة أو الهجرة.

الشباب ليسوا مجرد قوة سياسية أو رقمًا في الإحصاءات، إنهم الجزء الأكبر من المستقبل، ولهذا فإن الدولة التي لا تمنح شبابها فرصة للمشاركة في الاقتصاد والحياة العامة، ستجد نفسها أمام طاقة كبيرة تبحث عن طريق آخر.
الأسرة.. حيث يبدأ معنى الوطن وراء كل مواطن أسرة، ولهذا فإن الحديث عن الدولة لا ينبغي أن يتوقف عند الفرد بمعناه السياسي، وإنما يجب أن يصل إلى الأسرة التي تشكل حياته الأولى.

الأسرة تريد مسكنًا آمنًا، وتعليمًا جيدًا لأبنائها، ورعاية صحية مناسبة، ودخلًا يحفظ لها كرامتها، وبيئة اجتماعية مستقرة.
الأب يريد أن يطمئن على أبنائه، والأم تريد أن تعرف أن أبناءها يملكون فرصة أفضل في الحياة.

والشاب يريد أن يستطيع الزواج وتأسيس أسرته دون أن يتحول الأمر إلى حلم بعيد بسبب البطالة وارتفاع تكاليف الحياة.
حين نفكر بهذه التفاصيل، يصبح معنى الدولة أكثر قربًا، فنحن لا نبني مؤسسات مجردة، وإنما نبني البيئة التي ستعيش فيها الأسر، وتنشأ فيها الأجيال، وتتكون فيها أحلام الناس.
  • الاقتصاد الذي يخدم الإنسان
ولهذا فإن الاقتصاد لا يمكن أن يكون منفصلًا عن فكرة الدولة.
الجنوب يمتلك موقعًا جغرافيًا مهمًا، وسواحل وموانئ وموارد وإمكانات زراعية وبحرية وسياحية واستثمارية، لكن قيمة هذه الإمكانات لا تكمن في وجودها وحده.

السؤال الحقيقي هو: كيف تتحول هذه الموارد إلى حياة أفضل للناس؟ كيف نخلق اقتصادًا منتجًا؟ كيف نمنح القطاع الخاص فرصة عادلة؟ كيف نحارب الفساد الذي يبتلع الموارد؟ كيف نحول الموانئ والثروات والمواقع الاستراتيجية إلى فرص عمل وتنمية؟ وكيف نضمن أن الثروة العامة ليست ملكًا للنخب، وإنما موردًا يستفيد منه المجتمع كله؟؛ فالاقتصاد الناجح ليس الذي يحقق أرقامًا جيدة فقط، وإنما الذي يشعر المواطن بأثره في حياته.

والدولة لا ينبغي أن تكون مجرد موزع للموارد، وإنما أن تكون صانعةً للبيئة التي يستطيع فيها الإنسان أن يعمل وينتج ويستثمر ويبتكر، فوظيفة الدولة ليست أن تفعل كل شيء بدلًا عن المواطن، وإنما أن توفر له القانون، والأمن، والفرصة، والمؤسسة، والعدالة، ثم تترك له مساحة واسعة ليصنع حياته بجهده وقدرته.

الدولة التي لا تجعل الإنسان تابعًا لها وربما هنا نصل إلى جوهر المسألة، الدولة التي نريدها لا ينبغي أن تجعل المواطن تابعًا لها، بل ينبغي أن تكون الإطار الذي يمكّنه من أن يعيش حرًا، آمنًا، منتجًا، ومتساويًا مع غيره في الحقوق والواجبات.
السلطة تتغير.
والحكومات تتبدل.
والمسؤولون يذهبون ويأتون.
لكن الدولة يجب أن تبقى.

ولهذا فإن قوة الدولة لا تقاس بقوة الأشخاص الذين يديرونها، وإنما بقوة المؤسسات التي تستمر بعد رحيلهم.
الدولة التي تعتمد على شخص قوي تكون قوية بقدر وجوده، أما الدولة التي تعتمد على القانون والمؤسسات، فإنها تستطيع أن تستمر حتى عندما يتغير الأشخاص.

أي جنوب نريد إذن؟ حين نعود إلى السؤال الذي بدأنا به، قد تبدو الإجابة أكثر وضوحًا. نريد جنوبًا لا تكون فيه الدولة غاية، وإنما وسيلة لبناء حياة أفضل. نريد جنوبًا لا يُسأل فيه الإنسان أولًا: من أي منطقة أنت؟ وإنما: ما حقك كمواطن؟ نريد دولة لا يحتاج فيها الفقير إلى واسطة كي يحصل على حقه. ولا يحتاج فيها الشاب إلى الهجرة كي يجد مستقبله، ولا تعيش فيها الأسرة أسيرة للخوف من الغد، ولا يشعر فيها الموظف أن كرامته مرتبطة برضا مسؤول، ولا يكون فيها الاختلاف السياسي سببًا للإقصاء، ولا تتحول الثروة إلى سبب للصراع، ولا تصبح السلطة غنيمة تتقاسمها القوى.

نريد دولة يشعر فيها الإنسان أن القانون فوق الجميع، وأن المؤسسة أقوى من الشخص، وأن الوطن يتسع للاختلاف دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة دائمة.

وهذا لا يعني أننا نبحث عن دولة مثالية لا توجد فيها المشكلات؛ لا توجد دولة بلا مشكلات؛ لكن الفرق بين الدولة المستقرة والدولة الهشة هو قدرة مؤسساتها على التعامل مع المشكلات دون أن تتحول كل مشكلة إلى أزمة، وكل خلاف إلى صراع، وكل اختلاف إلى انقسام.
  • من الدولة التي نحلم بها إلى الحياة التي نريدها
ربما يكون من السهل أن نحلم بدولة قوية، وأن نتحدث عن سيادتها وحدودها ومواردها ومكانتها؛ لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عندما نسأل: ماذا سيحدث للإنسان في اليوم التالي؟ هل سيجد مدرسة أفضل؟ هل سيجد مستشفى يحفظ 
كرامته؟ هل سيجد طريقًا آمنًا؟ هل سيجد عملًا؟ هل سيجد قضاءً ينصفه؟ هل سيشعر أن صوته له قيمة؟ هل يستطيع أن يختلف دون خوف؟ هل يستطيع أن يحلم؟

هذه الأسئلة اليومية هي التي ستحدد في النهاية إن كانت الدولة التي بنيناها تستحق أن تسمى دولة الإنسان، فقد نستعيد الأرض، لكن علينا أن نستعيد معها معنى الأمان.
وقد نبني المؤسسات، لكن علينا أن نبني معها الثقة وقد نضع القوانين، لكن علينا أن نضمن تطبيقها، وقد نمتلك الموارد، لكن علينا أن نحسن إدارتها، وقد نرفع راية الوطن، لكن الأهم أن يشعر الإنسان أن هذا الوطن يرفع من شأنه ويحفظ كرامته.
  • الإنسان هو الغاية
وهنا ربما نصل إلى الخلاصة التي تربط هذه السلسلة كلها، لقد حاولنا في البداية أن نفهم تاريخنا، لأن الشعوب التي لا تعرف تاريخها قد تفقد القدرة على فهم حاضرها.
ثم انتقلنا إلى سؤال الدولة، لأن معرفة الماضي وحدها لا تكفي، ولأن المستقبل يحتاج إلى مشروع يتجاوز مجرد استعادة ما كان.

واليوم نصل إلى السؤال الثالث: من أجل من نبني كل ذلك؟ والإجابة في النهاية هي الإنسان، نبني الدولة من أجل الإنسان، نحمي القانون من أجل الإنسان، ندير الاقتصاد من أجل الإنسان، نحافظ على الأمن من أجل الإنسان، نطور التعليم من أجل الإنسان، ونحقق العدالة من أجل الإنسان، فالإنسان ليس تفصيلًا يأتي بعد الحديث عن الدولة؛ الإنسان هو نقطة البداية وغاية المشروع كله.

وإذا كان الجيل السابق قد حمل عبء التاريخ، وإذا كان جيل اليوم يحمل مسؤولية بناء الدولة، فإن الأجيال القادمة يجب أن ترث وطنًا يمنحها شيئًا أكثر من الذكريات والشعارات.
يجب أن ترث وطنًا تستطيع فيه أن تعيش، وتعمل، وتتعلم، وتختلف، وتحلم، وتبني أسرة، وتخطط للمستقبل، وهي مطمئنة إلى أن حقوقها لن تضيع، ذلك هو الجنوب الذي نريده.

جنوبًا يعرف تاريخه، ويبني دولته، لكنه في النهاية لا ينسى الإنسان الذي من أجله كان التاريخ، ومن أجله تكون الدولة، ومن أجله يجب أن يكون المستقبل، فالتاريخ يعلّمنا من أين أتينا.
والدولة تحدد ما الذي نريد أن نبني، أما الإنسان، فهو الذي يجيب عن السؤال الأهم: لماذا نبني؟