في زمن تُقاس فيه الأمم بمؤسساتها، لا بأفرادها، تعيش الأوطان العربية ظاهرة مرضية تسللت إلى كياناتنا السياسية والاجتماعية، ألا وهي تضخم الذات لدى القيادة.
وصرنا نسمع ألقابًا ومسمياتٍ تُمنح للرجل الأول، كأنما هي أوسمة نبوءة لا مناصب في سياق دولة أو مؤسسة او كيان سياسي الزعيم، القائد الضرورة، القائد الرمز، قائد بحجم وطن، وغيرها من العناوين التي تستعير عظمة الأمة لتضفيها على شخص، فتصبح الذات هي الوطن، والوطن هو الذات.
إنها ليست مجرد كلمات عابرة، بل وباء ثقافي يفتك بالجسد المؤسسي من الداخل، ويحول المشاريع الوطنية إلى تماثيل طينية تذوب تحت حرارة الغرور.
ولا يقف أمر هذه العدسة عند حدود الشاشات والافتتاحيات، بل يمتدُّ ليعيد تشكيل الفضاء العام ذاته؛ إذ تُمطر الشوارع والميادين بصور القائد في كل مناسبة وحدث، وتُقام له المجسمات والتماثيل في العاصمة والأقاليم، وكأنها أيقونات مادية تملأ الفراغ البصري وتستعمر العين قبل العقل.
هذا التضخيم البصري الممنهج لا يُعبّر عن مكانة حقيقية، بل يكشف عن هوسٍ بتحويل الشخص إلى أسطورة ملموسة تُختزل فيها الجماعة، وتسقط أمامها معالم المؤسسة، ويصير الخروج عن طلّة الوجه المرفوع خروجًا عن النص السياسي ذاته.
حين يتحول الإعلام - بشاشاته ولافتاته ومنصاته - إلى أداة تمجيد وتقديس، فإنه يغذي في النفس القيادية وهم العصمة، فيصبح النقد خيانة، والاختلاف تمردًا.
ولكن حين يكون الإعلام مستقلاً وناقدًا، فإنه يشكّل الضمانة الوحيدة لبقاء القيادة في دائرة التواضع والإدراك الواعي لحدودها.
وهنا يحدث الانقلاب الهوياتي الخطير: يتحوّل البرنامج إلى هامش، والرؤية إلى شعارات، وينحصر الولاء في العلاقة الشخصية لا في الانتماء الفكري أو الوطني.
يصبح القائد هو الوطن، ومكونه هو القائد، وأي نقد للشخص يُقرأ هجومًا على الكيان بأكمله.
تُلغى الهيئات، وتُستبعد الرؤى المختلفة، ويصبح الحوار شكليًا لا جدوى منه.
القرارات تُتخذ في غرف مغلقة، وتُنزل كالوحي على المنتسبين الذين لم يعد دورهم إلا التصفيق والتنفيذ.
وهكذا تفقد المؤسسة قدرتها على التجديد، وتتحول إلى آلة مكررة لأخطاء الماضي.
يتحول المنتسبون إلى حراس للذات القيادية، لا إلى جنود لقضية.
وهنا تختلط المفاهيم، ويصبح الدفاع عن القائد واجبًا مقدسًا، والانتقاد له خيانة عظمى.
تضيع البوصلة، ويبقى السؤال: لمن نعمل؟ للوطن أم للرجل؟
وبينما كانت العاطفة المرفوعة على أنقاض العقل، والمُستلبَة بتوهجها الخطابي وزخمها الشعوري، هي الأداة الأكثر ظهورًا في هندسة الطاعة الظاهرة، فإن للسلاح المالي صوتًا لا يقل فتكًا في معركة تشويه الولاءات، بل ربما كان أكثر رسوخًا وأعمق أثرًا.
حين يتحول مال المؤسسة - ميزانيات الدولة، أموال المكون ، مرافق الإغاثة والقروض - إلى فيض يُهرق في جيوب المقرّبين والموالين، دون رقيبٍ ولا حسيب، فإنه لا يُنفق لتطوير الأداء، بل لشراء الذمم واستئصال الضمائر.
يصبح العطاء المالي امتيازًا يُمنح للأتباع المخلصين، وعقابًا يُسحب من المترددين، فتتحول العلاقة التنظيمية إلى صفقة تجارية بحتة:
ولاء مقابل رزق، وصمت مقابل منصب ، وهنا تموت الكرامة المهنية، وتُدفن الأمانة الفكرية، ولا يبقى من همّ المنتسب إلا كيف يحافظ على ما في جيبه، متناسيًا ما في عقيدته ووطنه.
حين يصدّق القائد أنه لا غنى عنه، وأنه الوحيد القادر على القيادة، فإنه يبدأ في بناء نظام يكرّس لهذا الاعتقاد.
تختفي آليات المحاسبة، وتُلغى الضوابط، ويُمارس القمع باسم الاستقرار.
تصبح الإدارة مجرد أوامر تصدر من أعلى، ولا يبقى من الحلم الأول سوى ذكرى، إذ يتحول إلى كابوس يطحن كل معاني المشاركة والعدالة.
ولعل العلاج يبدأ باعتراف القائد بحدوده، وبإيمان عميق بأن القيادة الحقيقية هي التي تصنع المؤسسات، لا التي تختزلها، وتزرع الولاء للوطن لا للشخص، وتؤمن بأن الأوطان أكبر من أي رجل، وأن المجد الحقيقي هو في أن تبني جيلاً من القادة لا أتباعًا من العبيد.
وحده التواضع الإدراكي، ووحده الإعلام النزيه، ووحدها المؤسسات الرشيدة الرقابية، هي الكفيلة بإنقاذ مشاريعنا من فخ تضخم الذات، قبل أن تتحول أحلام الأمم إلى تماثيل من غرور، وتتحول صناديقها إلى وقود لاستعباد جديد.
وصرنا نسمع ألقابًا ومسمياتٍ تُمنح للرجل الأول، كأنما هي أوسمة نبوءة لا مناصب في سياق دولة أو مؤسسة او كيان سياسي الزعيم، القائد الضرورة، القائد الرمز، قائد بحجم وطن، وغيرها من العناوين التي تستعير عظمة الأمة لتضفيها على شخص، فتصبح الذات هي الوطن، والوطن هو الذات.
إنها ليست مجرد كلمات عابرة، بل وباء ثقافي يفتك بالجسد المؤسسي من الداخل، ويحول المشاريع الوطنية إلى تماثيل طينية تذوب تحت حرارة الغرور.
- دور الإعلام بين التضخيم والفضح
ولا يقف أمر هذه العدسة عند حدود الشاشات والافتتاحيات، بل يمتدُّ ليعيد تشكيل الفضاء العام ذاته؛ إذ تُمطر الشوارع والميادين بصور القائد في كل مناسبة وحدث، وتُقام له المجسمات والتماثيل في العاصمة والأقاليم، وكأنها أيقونات مادية تملأ الفراغ البصري وتستعمر العين قبل العقل.
هذا التضخيم البصري الممنهج لا يُعبّر عن مكانة حقيقية، بل يكشف عن هوسٍ بتحويل الشخص إلى أسطورة ملموسة تُختزل فيها الجماعة، وتسقط أمامها معالم المؤسسة، ويصير الخروج عن طلّة الوجه المرفوع خروجًا عن النص السياسي ذاته.
حين يتحول الإعلام - بشاشاته ولافتاته ومنصاته - إلى أداة تمجيد وتقديس، فإنه يغذي في النفس القيادية وهم العصمة، فيصبح النقد خيانة، والاختلاف تمردًا.
ولكن حين يكون الإعلام مستقلاً وناقدًا، فإنه يشكّل الضمانة الوحيدة لبقاء القيادة في دائرة التواضع والإدراك الواعي لحدودها.
- اختزال المؤسسة أو المكون في شخص القائد
وهنا يحدث الانقلاب الهوياتي الخطير: يتحوّل البرنامج إلى هامش، والرؤية إلى شعارات، وينحصر الولاء في العلاقة الشخصية لا في الانتماء الفكري أو الوطني.
يصبح القائد هو الوطن، ومكونه هو القائد، وأي نقد للشخص يُقرأ هجومًا على الكيان بأكمله.
- احتكار القرار وأزمة الشرعية الداخلية
تُلغى الهيئات، وتُستبعد الرؤى المختلفة، ويصبح الحوار شكليًا لا جدوى منه.
القرارات تُتخذ في غرف مغلقة، وتُنزل كالوحي على المنتسبين الذين لم يعد دورهم إلا التصفيق والتنفيذ.
وهكذا تفقد المؤسسة قدرتها على التجديد، وتتحول إلى آلة مكررة لأخطاء الماضي.
- تحوّل الولاء من الوطن إلى القائد.. والمال وقود التبعية
يتحول المنتسبون إلى حراس للذات القيادية، لا إلى جنود لقضية.
وهنا تختلط المفاهيم، ويصبح الدفاع عن القائد واجبًا مقدسًا، والانتقاد له خيانة عظمى.
تضيع البوصلة، ويبقى السؤال: لمن نعمل؟ للوطن أم للرجل؟
وبينما كانت العاطفة المرفوعة على أنقاض العقل، والمُستلبَة بتوهجها الخطابي وزخمها الشعوري، هي الأداة الأكثر ظهورًا في هندسة الطاعة الظاهرة، فإن للسلاح المالي صوتًا لا يقل فتكًا في معركة تشويه الولاءات، بل ربما كان أكثر رسوخًا وأعمق أثرًا.
حين يتحول مال المؤسسة - ميزانيات الدولة، أموال المكون ، مرافق الإغاثة والقروض - إلى فيض يُهرق في جيوب المقرّبين والموالين، دون رقيبٍ ولا حسيب، فإنه لا يُنفق لتطوير الأداء، بل لشراء الذمم واستئصال الضمائر.
يصبح العطاء المالي امتيازًا يُمنح للأتباع المخلصين، وعقابًا يُسحب من المترددين، فتتحول العلاقة التنظيمية إلى صفقة تجارية بحتة:
ولاء مقابل رزق، وصمت مقابل منصب ، وهنا تموت الكرامة المهنية، وتُدفن الأمانة الفكرية، ولا يبقى من همّ المنتسب إلا كيف يحافظ على ما في جيبه، متناسيًا ما في عقيدته ووطنه.
- الغرور والدكتاتورية.. النهاية المحتومة
حين يصدّق القائد أنه لا غنى عنه، وأنه الوحيد القادر على القيادة، فإنه يبدأ في بناء نظام يكرّس لهذا الاعتقاد.
تختفي آليات المحاسبة، وتُلغى الضوابط، ويُمارس القمع باسم الاستقرار.
تصبح الإدارة مجرد أوامر تصدر من أعلى، ولا يبقى من الحلم الأول سوى ذكرى، إذ يتحول إلى كابوس يطحن كل معاني المشاركة والعدالة.
- العودة إلى الجوهر
ولعل العلاج يبدأ باعتراف القائد بحدوده، وبإيمان عميق بأن القيادة الحقيقية هي التي تصنع المؤسسات، لا التي تختزلها، وتزرع الولاء للوطن لا للشخص، وتؤمن بأن الأوطان أكبر من أي رجل، وأن المجد الحقيقي هو في أن تبني جيلاً من القادة لا أتباعًا من العبيد.
وحده التواضع الإدراكي، ووحده الإعلام النزيه، ووحدها المؤسسات الرشيدة الرقابية، هي الكفيلة بإنقاذ مشاريعنا من فخ تضخم الذات، قبل أن تتحول أحلام الأمم إلى تماثيل من غرور، وتتحول صناديقها إلى وقود لاستعباد جديد.















