أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 04:16 ص بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • ​ من الساحل الغربي إلى مضارب حضرموت.. ثقافة تخادم الانسحابات «التكتيكية!» واستحقاق المراجعة

    م. أحمد صالح الغلام العمودي




    لا يمكن لتقييم سياسي متزن أن يختزل التطورات العسكرية الأخيرة في الساحل الغربي بسيطرة الحوثيين عليه في إطار المكايدة السياسية للشرعية؛ إذ يفرض التحليل الاستراتيجي الترفع عن التشفي، ووزن الحدث بميزان ما أضاف وما خصم من الأهداف والمخاطر والمصالح. 

    ومن هذا المنظور، فما جرى يشكل عبئًا مضاعفًا على الجنوب؛ فهو لا يقتصر على تهديد خطوط التماس والملاحة البحرية، بل يفرض تعاطي جدي مع احتمالات غزو شمالي جديد للجنوب، وحضرموت خاصة. وهو تنبيه يستند إلى مجريات الوقائع على مدى ثلاثة عقود؛ وإن لم تصدق هذه التقديرات، فهي اجتهاد لصاحبه جانبه الصواب، حرّكته غيرة الحرص على الأرض والمقدرات ومستقبل الأجيال.

    وتزداد هذه المخاطر خطورة بالنظر إلى الانكشاف الميداني الناجم عن الضربات العسكرية الموجعة التي أنهكت القوات الجنوبية مطلع العام، فضلا عن التموضع العسكري القائم بوادي وصحراء حضرموت؛ حيث ترابط قوات شمالية مشكوك في ولائها للشرعية وللسعودية، ومعادية لكل ما هو جنوبي وحضرمي منذ عام 1994. يضاف إلى ذلك، فحضرموت باتت مكشوفة أمنيًا جراء إبعاد أبنائها عن إدارة مؤسساتهم، وتفكيك تشكيلاتهم العسكرية الفتية، لصالح هيمنة قوات شمالية وأخرى غير موالية لحضرموت. 

    ويتزامن ذلك مع تصاعد الاحتقان لدى الشارع الجنوبي، والذي تحول من المراهنة على التحالف إلى المفاصلة والعداء الصريح معه ومع الشرعية، ناهيك عما يفرضه هذا التحول من أعباء ديموغرافية وأمنية وخدمية ضاغطة بفعل التجاهل الحكومي الممنهج لأوضاع الجنوب المعيشية.

    إن الترفع عن التشفي لا يغير من القناعة بأن قطاعًا واسعًا من القوى الشمالية في الشرعية يمارس تخادما صريحًا مع الحركة الحوثية، أو أن تطابق نتائج ممارسات الطرفين ما يستحق الوقوف أمامه على الأقل. إن هذا الاستنتاج ثمرة وقائع حقيقية لتسليم متسلسل للمحافظات دون قتال على مدى اثني عشر عاما؛ بدءًا من فرضة نِهم، مرورا بالجوف وبيحان، وصولا إلى إخلاء الساحل الغربي وتسليم عتاده للحوثي ليعزز به جبهة مأرب، وكأن هذه الانسحابات ليس لها من وظيفة سوى تسليح الحوثي بأسلحة التحالف ليعيد توجيهها إلى صدره! ومن هنا يتجلى الخطر الداهم على حضرموت، مضافا إليه مستجدات تغيير التركيبة الديموغرافية لوادي وصحراء حضرموت لتهيئتها لأي سيطرة شمالية قادمة.

    وفي كل مرة تُسلّم فيها الأراضي والعتاد للمليشيا، يهرع إعلام الشرعية ومكوناتها للبحث عن شماعات خارجية لتبرئة ساحتها والهروب من المسؤولية الأخلاقية عن إخفاقاتها. واليوم، تتردد معزوفة اتهام الإمارات بتحمل مسؤولية ما حدث، ولم تسلم السعودية ذاتها من الاتهام أيضا بعدم التغطية الجوية، تماما كما اتهموهما معا في هزائمهم السابقة. 

    وهي اتهامات تصطدم بالبديهة المنطقية التي تستبعد أن تأتي دول التحالف وتضحي بإمكانياتها ودماء أبنائها لتهزم نفسها! وأمام هذا العبث، يبدو الاستحقاق قائما على النخب الشمالية في الشرعية ومن يجاريها جنوبًا للإجابة عن سؤال محوري: هل من تفسير مقنع لنمط الانسحابات "التكتيكية!" المتكررة طيلة اثني عشر عاما، والذي يلوح اليوم ليتمِّم تسليم وادي وصحراء حضرموت والمهرة؟

    إن التفسير لما يجري لا يمكن فصله عن خلفياته التاريخية: فالنخب الشمالية في الشرعية لا يعوزها العدد ولا العتاد ولا الشجاعة، وإنما تعوزها العقيدة القتالية لمواجهة الحوثي. فقد تشكّلت البنية العسكرية والعقائدية للمكونات الشمالية — سواء المنضوية تحت مظلة الشرعية أو المتحالفة مع الحوثي— تاريخيًا وحاضرًا لمواجهة «الجنوب الكافر الشيوعي» لا سواه. وهي عقيدة اتخذت من مفهوم «كفار التأويل» منهلًا لتأطير صراعاتها بشرعيات دينية تتناسب مع كل عصر، وسُبكت من أبعاد قبليّة ومفهوم الغنيمة، متمنطقة بفقه التقية والنكث بالعهود. 

    ولم تقتصر هذه الذهنية على النخب في الهضبة الزيدية، بل تسللت عبر القرون إلى شرائح اجتماعية واسعة؛ إذ لم تنجح عقود «ثورة سبتمبر» في زحزحتها، بل ثبتتها تحت عباءة الجمهوريات الشكلية. ولهذا، حين عاد أحفاد الإمامة "الجماعة الحوثية"، وجدوا البيئة الفكرية كما تركها أجدادهم، إلى حدّ أن ارتضى فيه رئيس النظام "الجمهوري" السابق، علي عبدالله صالح، بدور «العُكفي» في بلاطهم، وقَبِلت فيه القبائل بدفع أبنائها للجبهات دون اعتراض؛ ما يؤكد أن الثقافة السياسية لهذه النخب تستبطن عقلية الإمامة الزيدية ذاتها مهما تدثرت بشعارات جمهورية أو مدنية أو دينية.

    ولذلك، أسهمت أطراف الصراع الشمالية—بشقيها: السلطة الشرعية والجماعة الانقلابية —في تعميق المأزق الذي وجدت السعودية نفسها فيه خلال سنوات الحرب.. حيث وظّف الطرفان، كل بطريقته شعار «الحفاظ على الوحدة اليمنية» ورقة ضغط وابتزاز ضد التحالف: فبينما يستهدف الحوثيون المنشآت الحيوية في السعودية كلما طُرح مستقبل الجنوب السياسي لرمي مسؤولية إجهاض الوحدة على عاتق التحالف، لم تخض القوى الشمالية في الشرعية أية معارك حقيقية لاستعادة صنعاء، بل جعلت أولوية منع استعادة دولة الجنوب تسبق أولوية دحر الحوثي، إن كانت أولوية أصلاً، في تفاهم ضمني غير معلن بين الطرفين للحيلولة دون خروج السلطة من المركز المقدس في الهضبة الزيدية، وصولا إلى تصريحات علنية لمسؤولين في الشرعية تلوّح بالتحالف مع الحوثي حال مضى الجنوبيون في تحقيق مشروعهم السياسي على أرضهم.

    وأمام هذه المعطيات، تستدعي المسؤولية من السعودية والمكونات الجنوبية والحضرمية بمختلف مشاربها أن تقف وقفة مراجعة صادقة، والتسامي على الجراح، وأن تجيب عن السؤال الاستراتيجي المحوري: هل أضافت الأحداث التي شهدتها حضرموت والمهرة—والتي استُهدفت فيها القوات الجنوبية بالضربات العسكرية—قوة ومنعة ومكاسب للمملكة والشرعية وحضرموت، أم أنها خصمت وأقصت طرفًا أساسيًا من رصيد القوة والمواجهة ضد الحوثي؟ فإن كانت الإجابة بالإيجاب، فعلى القائمين على هذا الخيار إظهار مكسب استراتيجي واحد. 

    أما إن كانت بالنفي، فالأمر يستدعي إجراء مراجعة جذرية للاستراتيجية المتبعة في إدارة الأزمة اليمنية، وإعادة فرز القوى المنضوية تحت مظلة الشرعية. أما التهرب من تحديد الإجابة فهو إقرار ضمني بأن هذه الاستراتيجية المتبعة تتم بوعي وإدراك كاملين لأهداف مرسومة ومتفق عليها بين الأطراف الصانعة لها.

    وختامًا، يتوجب على القائمين على «المجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى للمكونات الحضرمية» تأجيل «الزفة حتى تُجهَّز العروس»، وتوجيه الجهود نحو الخطر المحتمل المتربص بوادي وصحراء حضرموت والمهرة؛ فالذاكرة الحية لم تنسَ بعد تسليم القوات الشمالية ساحل حضرموت لتنظيم القاعدة عام 2014. 

    والسؤال المصيري اليوم: إذا ما تتحقق الخطر، هل ستدافع القوات الشمالية المرابطة في الوادي عن حضرموت، أم ستُسلّم الأرض للحوثي كما سلّمت أختها الساحل للقاعدة؟ إن أقل ما يفرضه الواجب الاستراتيجي هو التريث حتى تنجلي الغمة وتصفو السماء، لتُزَفَّ العروس في أجواء تليق بها غير هذه الأجواء!

المزيد من مقالات (م. أحمد صالح الغلام العمودي)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال