أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 04:16 ص بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • ​من يملك القرار.. مشروعية الداخل أم شرعية الخارج؟

    أحمد حرمل




    • ​عدم التماثل بين الشمال والجنوب
    في اليمن، لا يمكن فهم الصراع دون استيعاب أن الجغرافيا ليست مجرد خلفية للأحداث، بل هي فاعل رئيسي في رسم ملامح القوة والشرعية.

     لكن الجغرافيا وحدها لا تكفي هناك عنصر اخر لا يقل أهمية عن الجغرافيا، وهو القدرة على تحويل الكثافة السكانية إلى طاقة قتالية. 

    فمنذ عقود، والبلاد تحمل إرثاً معقداً ، حيث كانت صنعاء في الشمال وعدن في الجنوب مركزين لدولتين ونظامين مختلفين اندمجا اسمياً عام 1990 دون أن يندمجا فعلياً. 

    هذا الاندماج الهش خلق بنية مزدوجة للسلطة، مما جعل السيطرة على  الجغرافيا تحدد في كثير من الأحيان من يملك القوة الفعلية ومن يملك الشرعية السياسية.

    والمفارقة الأبرز في المشهد اليمني اليوم تتجسد في عدم التماثل البنيوي بين الشمال والجنوب.

     في الشمال، هناك لاعب واحد: الحوثيون، الذين يسيطرون على الجغرافيا والسياسة معاً، ويملكون الأرض والسلطة والقرار. 

    لا توجد قوى موازية فاعلة على الأرض، ولا تشكيلات مسلحة متعددة الولاءات.

     هذا التمركز يجعل الشمال كتلة واحدة، يصعب اختراقها، لكنه أيضاً يحصر الصراع في مواجهة واحدة.

    في المقابل، الجنوب يعج بلاعبين كثر. لا توجد سلطة مركزية واحدة، بل فسيفساء من التشكيلات المسلحة والسياسية، تتداخل ولاءاتها وتتقاطع مصالحها. 

    بعضها يملك الجغرافيا، وبعضها يملك الشرعية، وبعضها لا يملك هذا ولا ذاك، لكنه يلعب السياسة في الفراغ ويربك المشهد.

     وعلى رأس هذه الفسيفساء يبرز المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة عيدروس الزبيدي، الذي خرج من العملية السياسية الرسمية في يناير 2026، لكنه لم يخرج من الجغرافيا الجنوبية.

    هذا التباين هو مفتاح فهم الضبابية التي يصفها المراقبون في المشهد الجنوبي.
    • الخريطة الديموغرافية: من يملك الكثافة؟
    اليمن بلد جبلي في معظمه، وأكثر من 70% من سكانه يتركزون في المرتفعات الجبلية. 

    هذه الحقيقة الجغرافية-السكانية ليست تفصيلاً هامشياً، بل هي المفتاح الأول لفهم بنية الصراع.

     فمن يسيطر على المرتفعات، يسيطر على قلب اليمن السكاني، ومن يسيطر على الأطراف الصحراوية والساحلية، يسيطر على مساحات شاسعة بلا بشر.

    الحوثيون يسيطرون على المرتفعات: صنعاء، وعمران، وصعدة، وحجة، وذمار، وإب، والحديدة. 

    أي أنهم يملكون أكثر من خمسة عشر مليون نسمة. في المقابل، خصومهم يتمركزون في حضرموت، ومأرب، والمهرة، وشبوة، وأبين، ولحج، والضالع — وهي مناطق قليلة الكثافة، ومساحاتها الشاسعة تخفي ضحالة بشرية.

     أما تعز، فرغم أنها ثاني أكبر محافظة سكانياً، فهي متنازعة: المدينة مع الشرعية، والمحيط مع الحوثي.

    لكن المفارقة ليست في من يملك العدد، بل في من يحوّل العدد إلى سلطة. 

    هنا يتكشف الفارق الجوهري: الحوثيون لا يملكون فقط الكثافة، بل يملكون آلية تحويلها إلى قوة. 
    خصومهم يملكون كثافة مشتتة، لكنهم يفتقرون إلى آلية التحويل.

    كيف حوّل الحوثي الكثافة إلى قوة؟

    الحوثيون لا يرون في السكان مواطنين، بل مورداً استراتيجياً. 
    وهم يديرون هذا المورد عبر ثلاث آليات متكاملة.

     الآلية الأولى هي التجنيد الإجباري، وهو ليس تجنيداً بالمعنى التقليدي، بل ضريبة بشرية على كل أسرة.

     كل قرية تقدم مقاتلين، ووقوداً، وغذاءً، ومعلومات. 

    والمعادلة بسيطة: كثافة بشرية عالية، وفقر مدقع، وسيطرة أمنية كاملة، تساوي جيشاً لا ينضب.

    الآلية الثانية هي الزكاة والجمارك فهي ليست مجرد إيرادات، بل أدوات لضبط المجتمع.
     من يدفع الزكاة يعترف بالسلطة، ومن يرفض يُعاقب. والميناء والأسواق والزراعة كلها مصادر تمويل ذاتي تجعل الحوثي غير معتمد على الخارج، بل ينفق من جيبه المحلي لا من جيوب الآخرين.

    الآلية الثالثة هي الدين والقبيلة. فالزيدية شرعية أيديولوجية، والقبيلة شبكة تنفيذ.

     هذا المزيج لا يوجد في الساحل أو الصحراء، حيث القبيلة أضعف والمذهب مختلف والانتماء متعدد.

    وتبقى الجغرافيا هي الحاضنة لكل ذلك. فالمرتفعات ليست فقط مكتظة، بل وعرة. وهذا يمنح الحوثي قدرة دفاعية لأن الجبال تحمي من الغارات الجوية، وقدرة على المناورة لأن الممرات الجبلية تسمح بالتحرك السريع، وصعوبة اختراق لأن أي قوة مهاجمة تواجه متاهة طبيعية.

     الكثافة محمية بالجغرافيا، والجغرافيا مفعّلة بالكثافة.

    لماذا يفشل خصوم الحوثي في تحويل الكثافة إلى قوة؟

    هنا يتكشف العمق الحقيقي للمشكلة، وهو ليس في قلة العدد، بل في بنية السلطة نفسها.

     فالمشكلة الأولى هي كثافة بلا سيطرة، وتعز هي الأنموذج الصارخ. فالمدينة مكتظة، لكنها محاصرة. 
    وسكانها لا يستطيعون الوصول إلى مواردهم، ولا تنظيم صفوفهم، ولا تحويل كثافتهم إلى قوة. الحوثي يستفيد من محيطها، والشرعية تفشل في تحويل سكانها إلى جيش منظم.

     والسبب ليس عسكرياً فقط، بل سياسي: لا توجد قيادة موحدة بين المقاومة واللواء 35 والمحور، ولا مشروع واضح لما بعد الحوثي، ولا تعبئة شعبية بالمعنى الحوثي.

    المشكلة الثانية هي كثافة في أطراف صحراوية. فمأرب وحضرموت وشبوة والمهرة قليلة الكثافة، وسكانها قبليون، لكنهم أقل عدداً، وأقل استعداداً للقتال الطويل الحرب هناك حرب نخبة، لا حرب شعبية.

    المشكلة الثالثة هي كثافة بلا تنظيم. فحتى في المناطق التي تسيطر عليها الشرعية كعدن ولحج والضالع وأبين، الكثافة متوسطة، والتنظيم مفكك، والفصائل متنازعة، والولاءات متعددة، والمشروع غامض.

     لا أحد يستطيع تحويل السكان إلى قوة، لأن لا أحد يملك الشرعية لقيادتهم.

    لكن المشكلة الأعمق، وهي الرابعة، هي كثافة بلا إرادة. فسكان المناطق الخاضعة للشرعية لم يُقتنعوا بأن المعركة معركتهم. 

    الحوثي يقاتل باسم الدين والأرض، والشرعية تقاتل باسم الدولة والمجتمع الدولي.
     الأولى تعبئة، والثانية تسويق. والفرق بينهما هائل.

    وهنا تكمن المفارقة الأعمق: الشرعية لا تفشل لأنها أضعف، بل لأنها ترى السكان كعبء، لا كمورد. 

    فبينما يحوّل الحوثي الفقر إلى حافز للقتال، تحوّل الشرعية الفقر إلى أزمة إنسانية.

     وبينما يجنّد الحوثي الأسر، تتعامل الشرعية مع النازحين.
     الفارق ليس في الموارد، بل في العقلية.
    • تعز والساحل الغربي: عندما تتحول الجغرافيا إلى فخ
    في تعز، لم يحكم الحوثيون المدينة عسكرياً، لكنهم حكموا محيطها. 

    فرضوا حصاراً خانقاً، وسيطروا على المنافذ، وحوّلوا الأحياء المحيطة إلى قواعد إطلاق.

     واستفادوا من الكثافة السكانية في مناطق سيطرتهم كالحوبان وصالة لتجنيد المقاتلين، وجمع الزكاة، وإدارة اقتصاد حرب يموّل الحصار. 

    أما الشرعية، فلم تستطع فك الحصار ولا حتى توحيد صفوفها. 

    والكثافة التي كان يمكن أن تكون قوة ضاربة، تحوّلت إلى عبء إنساني وورقة ضغط.

    وفي الساحل الغربي، كان يفترض أن يكون مسرحاً حاسماً لتحرير الحديدة، لكن ما حدث هو العكس. الحوثيون نجحوا في إدارة مسرح العمليات لخمسة أسباب:

     العمق البشري في المناطق الجبلية المطلة على الساحل، والتحصينات الجبلية التي تجعل القوات المهاجمة تتقدم في أرض مكشوفة، والحرب غير المتماثلة عبر الكمائن والعبوات والمسيّرات، والاقتصاد الحربي المتمثل في ميناء الحديدة رغم الحصار، والتماسك الأيديولوجي الذي يمنح قدرة على تحمل الخسائر.

    في المقابل، فشل خصومه لأنهم خليط من ألوية العمالقة المدعومة إماراتياً، والمقاومة الوطنية بقيادة طارق صالح، والقوات الحكومية، ودرع الوطن المدعوم سعودياً.

     كل طرف له أجندة مختلفة، ولا توجد قيادة موحدة. والتنافس السعودي-الإماراتي أضعف التخطيط المشترك، وحوّل المعركة إلى صراع نفوذ لا صراع تحرير. 

    والاعتماد على الغارات الجوية لم يحسم معركة برية. 

    وغياب التعبئة الشعبية جعل السكان متفرجين أو نازحين لا شركاء. وغياب المشروع السياسي أفقد القوات الحافز للقتال.

    مجلس القيادة الرئاسي: سلطة بلا أرض، وحضور بلا جغرافيا

    عندما تشكّل مجلس القيادة الرئاسي في أبريل 2022، وُصف بأنه كيان توحيدي يجمع فصائل وقوى سياسية تحت مظلة واحدة. 

    لكن بعد أكثر من ثلاث سنوات، وبعد إسقاط عضوية عيدروس الزبيدي وفرج البحسني في يناير 2026، وبعد خسارة طارق صالح لجغرافيته على الساحل الغربي، لم يعد المجلس مجرد "كيان توحيدي"، بل أصبح نادياً للسلطة بلا أرض. 

    فمعظم أعضائه اليوم لا يملكون جغرافيا، ولا مشروعاً، ولا حاضنة شعبية.

     ومع ذلك، يظلون "حاضرين" سياسياً — ليس لأنهم يملكون شيئاً على الأرض، بل لأن عضوية المجلس نفسها أصبحت جغرافيا بديلة، وهمية لكنها فاعلة.

    أولاً: من يملك الأرض والمشروع والحاضنة

    عبدالرحمن المحرمي (أبو زرعة) هو العضو الأول في المجلس الذي يملك جغرافيا حقيقية وقوة عسكرية منظمة. ألوية العمالقة التي يقودها لا تتمركز في محافظة واحدة، بل تنتشر في كافة محافظات الجنوب: شبوة، وعدن، وأبين، ولحج، والضالع، وحضرموت، والساحل الغربي، ومأرب. في يناير 2026، كُلّف بفرض الأمن في عدن، مما جعله الفاعل الأمني الأقوى في الجنوب.

    وقد زادت قوات الانتقالي من قوة المحرمي، بعد أن أصبحت هذه القوات في كثير من المواقع تحت قيادته الفعلية أو بالتنسيق معها، مما جعله القائد العسكري الأبرز في الجنوب. وهذا التحول لم يمنحه قوة عسكرية فحسب، بل دفعه إلى الجهر بمشروع استعادة دولة الجنوب، وهو مشروع لم يعد يخفيه أو يتستر عليه.

    وتجلّى هذا الجهر في تصريحه بمناسبة ذكرى عيد جيش جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، الذي كان يُحتفى به في الأول من سبتمبر من كل عام. فقد أحيى المحرمي هذه الذكرى علناً، وأشار في تصريحه إلى جيش الجنوب ودولة الجنوب، في خطوة اعتُبرت قطيعة رمزية مع الخطاب الوحدوي الذي كان يلتزم به مجلس القيادة الرئاسي. 

    هذا التصريح أزعج القوى السياسية الشمالية، ودفع وسائل إعلامها إلى مهاجمته بشدة، ووصفته بأنه انفصالي وخارج عن الشرعية.

    لكن هذا الهجوم الإعلامي لم يُضعف المحرمي، بل عزّز موقعه في الجنوب، حيث رأت فيه كثير من القوى الجنوبية زعيماً عسكرياً قادراً على حمل مشروع الجنوب، في وقت يغيب فيه الزبيدي سياسياً. 

    وهكذا، تحوّل المحرمي من قائد عسكري إلى فاعل سياسي بمشروع واضح، وهو ما يجعله أقوى عضو في مجلس القيادة الرئاسي من حيث الجغرافيا والقوة والمشروع.

    ومع ذلك، تبقى حاضنته الشعبية محدودة قبلياً، إذ لا يملك عمقاً قبلياً تاريخياً ، لكنه يملك ما هو أهم: القوة على الأرض في أوسع مساحة جغرافية. 

    وهو لا يحتاج إلى عضوية المجلس ليبقى فاعلاً، بل عضوية المجلس هي التي تحتاجه لتبقى ذات معنى.

    سلطان العرادة هو العضو الثاني الذي يملك الجغرافيا والمشروع والحاضنة القبلية ولكن هذه الحاضنة ترسم خارطتها المصالح .
     لكن جغرافيته محدودة: فهي لا تتجاوز مديرية مأرب (المدينة والمناطق المحيطة بها)، وليس كامل محافظة مأرب.

     وحين ضغطت السعودية لتحييده في 2026، قاوم ورفض الامتثال. مأرب — بموقعها النفطي وثقلها القبلي — تمنحه جغرافيا لا يستطيع أحد انتزاعها بسهولة منه. 

    لكن هذه الجغرافيا أصغر حجماً من جغرافيا المحرمي، لأن العمالقة تنتشر في كل الجنوب، بينما العرادة محصور في مديرية واحدة.

    ثانياً: من خسر الجغرافيا ولم يعد يملك شيئاً

    طارق صالح كان يملك جغرافيا محدودة (شريط ساحلي في المخا والخوخة وحيس)، وحاضنة شعبية محدودة (قبائل الساحل الغربي، وبقايا المؤتمر)، ومشروعاً واضحاً (الشرعية ثورة 2 ديسمبر) التي سعى من خلال عمه علي عفاش الى استعادة السلطة وهذا المشروع لا يهم الشعب اليمني لا نقريب ولا من بعيد كون مشروع عائلي لا يختلف عن المشروع السلالي .

    لكنه في 11 سبتمبر 2026، خسر جغرافيته بعد اختراقات حوثية، واضطر إلى نقل مركز قيادته جنوبي المخا، والتراجع إلى "مكان آمن" بالتنسيق مع التحالف.

    وهنا تكمن المفارقة: طارق صالح لا يملك حاضنة شعبية يمكن أن تعوّضه عن الجغرافيا. فقبائل الساحل الغربي ليست ملتفة حوله كزعيم تاريخي، بل حوله كقائد عسكري مدعوم إماراتياً. 

    وبقايا المؤتمر ليست حاضنة صلبة، بل شبكة مصالح متآكلة. 

    وعندما خسر الجغرافيا، فقد كل شيء: لا أرض، ولا حاضنة، ولا مشروع قابل للتحقق.

    لكنه — وهذا هو الأهم — لم يفقد مقعده في مجلس القيادة الرئاسي. 

    وهذا المقعد هو الذي يبقيه "حاضراً" سياسياً. لكن هذا الحضور ليس حضوراً فاعلاً، بل حضوراً رمزياً. 

    هو حاضر لأنه عضو مجلس، لا لأنه يملك شيئاً. 

    وحضوره السياسي سينتهي في الساحل الغربي، لكنه سيبقى حاضراً في جغرافيا أخرى — جغرافيا المجلس، جغرافيا المقعد، جغرافيا الاجتماعات والبيانات. 
    وهي جغرافيا بلا أرض، لكنها تمنحه شرعية شكلية لا تمنحه قوة فعلية.

    وهنا يصبح طارق صالح مثل العليمي وآخرين: عضو مجلس بلا جغرافيا، ولا مشروع وطني، ولا حاضنة. 

    والفرق الوحيد بينه وبين العليمي هو أن العليمي لم يملك جغرافيا قط، بينما طارق صالح خسر جغرافيته. 

    لكن النتيجة واحدة: حضور بلا أرض، وسلطة بلا سند.

    ثالثاً: من لم يملك الأرض قط

    رشاد العليمي، رئيس المجلس، يملك الشرعية الدولية والتمثيل الرسمي، لكنه لا يملك مشروعاً واضحاً، ولا جغرافيا مستقرة، ولا حاضنة شعبية.

     لم يعد إلى عدن منذ ديسمبر 2025، ويمارس مهامه من الرياض. سلطته رمزية-دبلوماسية، لا ميدانية. هو حاضر لأنه رئيس مجلس، لا لأنه يملك شيئاً.

    عبدالله العليمي وعثمان مجلي عضوان في المجلس، لكنهما لا يسيطران على أي مساحة جغرافية مستقلة، ولا يملكان قوات خاصة، ولا عمقاً قبلياً أو عسكرياً.

     حضورهما سياسي-دبلوماسي أكثر منه ميدانياً. يتحركان بين الرياض وعدن، ويحضران الاجتماعات، لكنهما بلا مشروع، ولا جغرافيا، ولا حاضنة.

    فرج البحسني كان محافظاً لحضرموت لخمس سنوات، ثم عُيّن عضواً في المجلس في 2022. لكن في يناير 2026، أُسقطت عضويته بتهم "مخالفات دستورية جسيمة".

    وهكذا، انتهى وجوده السياسي كما انتهى وجوده الجغرافي: 

    بلا أرض ولا مقعد ولا مشروع ولا حاضنة.

    هو العضو الوحيد الذي خرج من المجلس، فلم يعد له حتى الجغرافيا البديلة التي يملكها الآخرون.
    • المفارقة الجوهرية: عضوية المجلس كجغرافيا بديلة
    ما يجمع العليمي وطارق صالح ومجلي وعبدالله العليمي هو أنهم لا يملكون جغرافيا على الأرض، لكنهم يملكون جغرافيا بديلة: عضوية مجلس القيادة الرئاسي. 

    هذه العضوية ليست مجرد صفة سياسية، بل هي بديل وظيفي عن الأرض. فهي تمنحهم شرعية دولية (فهم ممثلون لدولة في المحافل الدولية)، وتمثيلاً رسمياً (مقاعد في الاجتماعات، وحق التصويت والنقاش)، وغطاءً سياسياً (يمكنهم التحدث باسم "الدولة" دون أن يملكوا أرضها)، ورواتب ومزايا ليست مجرد رمزية، بل موارد فعلية.

    لكن هذه الجغرافيا البديلة هشة، لأنها لا تستند إلى قوة على الأرض. فهي تعتمد على اعتراف خارجي (سعودي، دولي) لا على سيطرة داخلية. ومن يمنحها يمكنه سحبها في أي لحظة — كما حدث مع البحسني والزبيدي.

    المجلس الانتقالي الجنوبي: جغرافيا بلا شرعية سياسية

    إذا كان المجلس الرئاسي يعاني من "سلطة بلا أرض"، فإن المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة عيدروس الزبيدي يعاني من العكس تماماً:

    أرض بلا شرعية سياسية رسمية، فهذا الكيان، الذي تأسس في مايو 2017 بدعم إماراتي، يسيطر على مساحة واسعة من الجنوب، لكنه خرج من العملية السياسية الرسمية في يناير 2026، عندما أُسقطت عضوية الزبيدي من مجلس القيادة الرئاسي.

    عيدروس الزبيدي ليس مجرد عضو سابق في المجلس. هو الزعيم  الجنوبي الأبرز، ومؤسس الانتقالي، والقائد العسكري الذي قاد معارك ضد الحوثيين في 2015.

     مثّل الانتقالي، منذ 2017، الوعاء الجامع لمعظم القوى الجنوبية: الحراك السلمي، والمكونات القبلية، والعسكريين المتقاعدين، والناشطين. 

    وفي ذروة قوته، سيطر الانتقالي على عدن، ولحج، والضالع، وأبين، وشبوة، وحضرموت، والمهرة، وسقطرى — أي أكثر من 52% من مساحة اليمن.

    لكن الزبيدي يختلف عن بقية أعضاء المجلس الرئاسي في أنه يملك مشروعاً واضحاً (استعادة دولة الجنوب)، وجغرافيا حقيقية (عدن، لحج، الضالع، أبين، أجزاء من شبوة)، وحاضنة شعبية واسعة .

    ما يفتقر إليه هو الشرعية الدولية فقد خرج من مجلس القيادة الرئاسي، وفقد غطاءه السياسي الرسمي، وأصبح كياناً غير معترف به في المحافل الدولية. 
    وهذا يجعله عرضة للضغوط السعودية والأمريكية.

    لكن السؤال الأهم: هل خرج الانتقالي من الجغرافيا؟ الإجابة لا.

     فرغم إسقاط عضوية الزبيدي، لا يزال الانتقالي يسيطر على ميناء عدن، ومعسكرات رأس عباس والجلاء وبدر، ونقاط التفتيش الرئيسية مثل العلم والمنصورة، وقوات الأمن الوطني في عدن ولحج والضالع وأبين، وقوات دفاع شبوة. أي أنه لا يزال يملك قلب الجنوب، وقاعدة جماهيرية عريضة وهذه ورقة تفاوضية لا يملكها غيره.
    • حاضنة الانتقالي: بين التمسك بالمشروع والتراجع عنه
    وهنا تكمن النقطة الجوهرية: حاضنة الانتقالي الشعبية ليست ثابتة، بل هي رهينة موقفه السياسي. 

    فالانتقالي اكتسب شرعيته الشعبية من تمسكه بمشروع استعادة دولة الجنوب، ومن رفضه الذوبان في أي ترتيبات وحدوية.

     وقد أثبتت التجربة أن قاعدته الشعبية تتسع عندما يتمسك بموقفه، وتتقلص عندما يتراجع أو يناور.

    وقد ظهر ذلك بوضوح في الموقف الذي أعلنه الانتقالي مؤخراً، حين جهر بمشروع استعادة دولة الجنوب، وأحيا ذكرى عيد جيش جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في الأول من سبتمبر.

     هذا الموقف أزعج القوى السياسية الشمالية، ودفع وسائل إعلامها إلى مهاجمته بشدة، لكنه في المقابل عزّز حاضنته الشعبية في الجنوب، لأن الجماهير الجنوبية رأت فيه وفاءً للمشروع الذي طالما انتظرته.

    والخلاصة أن الانتقالي إذا تمسك بهذا الموقف، فسيضمن حاضنته الشعبية، وسيحوّل نفسه من كيان سياسي بلا شرعية دولية إلى كيان شعبي بشرعية ثورية. 

    أما إذا تراجع أو ناور، فسيفقد الحاضنة التي هي ورقته الوحيدة في مواجهة الضغوط الإقليمية. 

    وبهذا المعنى، فإن حاضنة الانتقالي ليست معطى ثابتاً، بل هي نتاج موقف سياسي.

     ومن يملك المشروع، يملك الحاضنة ، ومن يملك الحاضنة، يملك القدرة على البقاء — حتى لو خرج من العملية السياسية الرسمية.
    • الجنوب: فسيفساء القوى ووهم السيادة
    إذا كان الانتقالي يملك قلب الجنوب، فإن بقية المحافظات الجنوبية تقدم صورة أكثر تعقيداً.

     عدن لم تعد مدينة محتلة فحسب، بل باتت ساحة وجود متشابك: ألوية العمالقة تسيطر على المطار وقصر معاشيق والبنك المركزي، ودرع الوطن تتمرك في حي صلاح الدين، والأمن الوطني (الحزام الأمني سابقاً) تتسلم مواقع من العمالقة، والانتقالي يحتفظ بميناء عدن ومعسكراته ونقاط تفتيشه.

    وفي لحج والضالع وأبين، تتكرر المعادلة نفسها، حيث تتجاور القوات الحكومية مع قوات الأمن الوطني ذات الجذور الإماراتية.

     وفي شبوة، تتقاسم قوات دفاع شبوة (الانتقالي) والعمالقة (المحرمي) السيطرة على محافظة نفطية استراتيجية.
    • حضرموت: عندما تُستبدل الأرض بأهلها
    بعد إقالة البحسني، عُيّن سالم الخنبشي محافظاً لحضرموت، ومُنح صلاحيات غير مسبوقة، إذ كُلّف بقيادة قوات درع الوطن ومنح كافة الصلاحيات العسكرية والأمنية والإدارية.

    لكن حضرموت تضم تشكيلات متعددة الولاءات: درع الوطن (سعودي)، وحلف قبائل حضرموت (مستقل)، والمنطقة العسكرية الأولى (حكومية)، وقوات الطوارئ (التي حلت محل النخبة الحضرمية).

    وما حدث في حضرموت ليس مجرد استبدال لقوة بأخرى، بل إقصاء كامل لقوات النخبة الحضرمية، وهي قوة نخبوية محلية، لصالح قوات الطوارئ التي تشكّل أغلب عناصرها من محافظات شمالية، وتخضع لولاء مباشر للسعودية. 

    قوات الطوارئ ليست قوة أمنية نظامية، بل تشكيل عسكري سلفي ضخم من 6 فرق تضم قرابة 22 لواء و36 ألف مجند، غالبيتهم من العناصر السلفية من المحافظات الشمالية. والنتيجة أن حضرموت تحولت من نموذج يُحتذى به في الأمن إلى محافظة تتصدر معدلات الجريمة، وسط رفض شعبي واسع يصف ما يجري بالاحتلال اليمني والغزو الشمالي الثالث.
    • عودة المكونات الذائبة: ديناميكية الظهور والاختفاء
    إلى جانب التشكيلات المسلحة، هناك ظاهرة سياسية أكثر خطورة وهي عودة المكونات الجنوبية التي سبق أن ذابت في المجلس الانتقالي إلى الظهور مرة أخرى بدعم سعودي. عندما تأسس الانتقالي في 2017، انضوت تحت لوائه معظم المكونات السياسية والحراكية الجنوبيةومن تبقاء منها اعلن ذوبانه في المجلس في مايو 2023 ، فذابت مطالبهم الخاصة في خطابه، وتحوّل معظمهم إلى قواعد صامتة. 

    لكن مع تصاعد التنافس السعودي-الإماراتي، وتراجع نفوذ الانتقالي بعد إقالة الزبيدي، بدأت الرياض تعيد إحياء هذه المكونات، وتمنحها غطاءً سعودياً لإعادة التنظيم، وتطرحها كبدائل عن الانتقالي في أي ترتيبات قادمة.

    والنتيجة أن هذه المكونات تظهر بحماية سعودية، وتغيب عندما تتغير الحسابات. 

    وهذا ما يجعل المشهد أكثر ضبابية: لا أحد يعرف من يمثل من، والولاءات متغيرة، والمشهد بلا بوصلة. 

    لا يوجد مشروع جنوبي موحد ، بل مشاريع متصارعة ترعاها قوى إقليمية مختلفة.
    • الدلالة الأعمق: الشرعية بلا أرض، والأرض بلا شرعية
    هذه التركيبة تكشف عن مفارقة بنيوية في المشهد اليمني.

    أولاً، الشرعية الدولية المعترف بها لا تملك جغرافيا. فالمجلس الذي يمثل الدولة في المحافل الدولية، معظم أعضائه لا يسيطرون على الأرض التي يفترض أنهم يحكمونها. 

    ثانياً، من يملك الأرض — المحرمي والعرادة والزبيدي — يملكها بمنطق القوة، لا بمنطق الشرعية.

    ثالثاً، هذه التركيبة تجعل المجلس غير قادر على الحكم الفعلي، لأن من لا يملك الأرض لا يستطيع تنفيذ قراراته، ومن يملك الأرض لا يستمد شرعيته من المجلس.

    رابعاً، الجغرافيا تصبح ورقة تفاوض لا وعاء سيادة. 

    خامساً، عضوية المجلس أصبحت جغرافيا بديلة لمن لا يملك أرضاً، لكنها جغرافيا وهمية، لأنها لا تمنح صاحبها قوة على الأرض، بل تمنحه حضوراً شكلياً فقط.

    سادساً، ما حدث في حضرموت، وما يجري في عدن ولحج والضالع وأبين وشبوة، يكشف أن الجغرافيا لا تُدار بالضرورة من أبنائها، بل من القوى الإقليمية. 

    سابعاً، ظاهرة عودة المكونات الذائبة تكشف أن المشهد الجنوبي ليس صراعاً على الأرض فقط، بل صراع على التمثيل: 

    فمن يمثل الجنوب؟ الانتقالي الذي خرج من العملية السياسية لكنه يملك الأرض؟ أم المكونات التي تعود بدعم سعودي؟ أم القوى التي تملك الأرض ولا تملك الشرعية؟
    • الجغرافيا والديموغرافيا كفاعلين سياسيين
    في اليمن، لا يمكن اختزال الصراع في ثنائية السياسة والسلاح.
    فاالجغرافيا والديموغرافيا هما الطرفان الثالث والرابع اللذان يحددان من يستحق البقاء على الطاولة. فالمجلس الرئاسي، بمعظم أعضائه، يظل حاضراً سياسياً بفضل شرعيته الدولية ودعمه الخارجي، لكنه بلا أرض.

    ومن يملك الأرض — المحرمي والعرادة والزبيدي — يظل مسيطراً ميدانياً، لكنه بلا شرعية مؤسسية شاملة.

    وحضرموت تحولت إلى مختبر لهذه المفارقة: أرض غنية، وقوات وافدة، ومحافظ بصلاحيات استثنائية، وشعب يرفض من يحكمه.

    والفرق الجوهري بين الشمال والجنوب ليس في القوة أو الضعف، بل في طبيعة اللعبة. 

    في الشمال، لاعب واحد يملك الكثافة السكانية والجغرافيا والسلطة والمشروع والحاضنة، والصراع محصور في مواجهة واحدة. 

    وفي الجنوب، لاعبون كثر: بعضهم يملك الأرض (المحرمي، الزبيدي، وبعضهم يملك الشرعية (العليمي)، وبعضهم لا يملك شيئاً سوى القدرة على اللعب في الفراغ. والنتيجة ضبابية لا أحد يستطيع اختراقها، ومستقبل لا أحد يستطيع التنبؤ به.

    وهكذا، تصبح الجغرافيا والديموغرافيا في اليمن ليستا مجرد مساحة وعدد، بل هما الذاكرة الحية للصراع، والضمانة الوحيدة لأي كيان يريد أن يبقى فاعلاً في مستقبل البلاد. 

    والسؤال يظل معلقاً: كيف يمكن لمجلس أن يحكم دولة وهو لا يملك أرضها ولا كثافتها السكانية؟ والإجابة، حتى الآن، أن اليمن يُدار من الخارج، بينما الداخل محكوم بمن يملك الأرض والكثافة معاً، لا بمن يحمل الشرعية. والمستقبل — في ظل هذا التشابك — يظل مجهولاً، ليس لأن الأطراف لا تريد الحل، بل لأن الحل نفسه أصبح رهينة الجغرافيا والديموغرافيا التي يتقاسمها هذا العدد الكبير من الفاعلين.

المزيد من مقالات (أحمد حرمل)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال