عدن بين المدينة الحديثة ومشهد الأرصفة
لم تعد أزمة كهرباء عدن مجرد ملف خدمي عابر، ولا مجرد مشكلة تقنية تتعلق بنقص الوقود أو تراجع التوليد أو أعطال الشبكات، بل تحولت تدريجيًا إلى مرآة مكثفة لأزمة الدولة والإدارة والاقتصاد والحوكمة في العاصمة المؤقتة.
ولعلّ أكثر ما يكشف عمق المأساة في عدن اليوم ليس البيانات الرسمية ولا الاجتماعات المتكررة، بل تلك الصور القاسية لمئات المواطنين الذين اضطروا إلى افتراش الأرصفة والجزر الوسطية والشوارع هربًا من حرّ المنازل بعد الانهيار شبه الكامل لخدمة الكهرباء.
فهذه المشاهد لا تُظهر فقط أزمة طاقة، بل تُجسد حالة إنهاك حضري ونفسي واجتماعي غير مسبوقة لمدينة كانت يومًا من أكثر مدن المنطقة انتظامًا وحداثة وخدمات. وهي تكشف، في الوقت ذاته، كيف تحولت أزمة الكهرباء من مجرد معضلة خدمية إلى أزمة كرامة وثقة وشرعية.
من أزمة كهرباء إلى أزمة دولة
ومن هنا تحديدًا قلنا، ورددنا القول والتصريح حتى بُحَّ صوتنا طوال ما يقارب عقدًا من الزمن، إن كهرباء عدن ليست أزمة مستقلة بذاتها، بل جزء أساسي من المعضلة الكلية التي تعيشها المدينة.
فالتعامل مع الكهرباء كملف فني منفصل عن انهيار العملة، وتآكل الإيرادات العامة، وتعثر الموانئ والمصافي، وفساد المشتريات والطاقة المؤجرة، وضعف الإدارة المحلية، والانقسام المؤسسي، وغياب التخطيط الحضري، والتوسع السكاني العشوائي، إنما يشبه معالجة الحُمّى مع تجاهل المرض الأساسي الذي يفتك بالجسد كله.
وقد أثبتت السنوات الماضية أن الحلول الإسعافية الموسمية، مهما بلغت تكلفتها، لم تؤسس لاستقرار حقيقي، بل ساهمت أحيانًا في تكريس اقتصاد أزمات قائم على إدارة الانهيار بدل معالجته جذريًا.
مدينة الدولة أم ساحة الترقيع المؤقت؟
وهنا تظهر المعضلة الأعمق: هل تُدار عدن بعقل الدولة أم بمنطق الترقيع المؤقت؟
فعدن لا يمكن أن تُدار بعقلية الطوارئ الدائمة، ولا بمنطق “إطفاء الحرائق” الموسمية، لأنها ليست مدينة هامشية، بل عاصمة مؤقتة وميناء استراتيجي ومركز اقتصادي يفترض أن يجسد فكرة الدولة ذاتها.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: كيف نوفر وقودًا إضافيًا للصيف القادم؟ بل: أي نموذج للدولة نريد في عدن؟
ومن هنا تحديدًا أصبحت كهرباء عدن ما يشبه “كعب أخيل” الشرعية. فالأنظمة لا تُستنزف دائمًا من جبهات الحرب الكبرى وحدها، بل كثيرًا ما تنهار من نقاط الضعف اليومية المزمنة.
فحين تعجز العاصمة المؤقتة، طوال سنوات، عن توفير الحد الأدنى من الكهرباء المستقرة، فإن الرسالة التي تصل إلى المواطن لا تكون تقنية، بل سياسية بامتياز: إذا كانت الدولة عاجزة عن إنارة عاصمتها، فكيف ستقود معركة استعادة وطن؟
والأخطر من ذلك أن اعتياد السلطة على مشهد النوم الجماعي في الشوارع، وكأنه حالة موسمية يمكن التعايش معها، يعكس انتقال الأزمة من مستوى الفشل الإداري إلى مستوى أخطر يتعلق بتآكل الحس بالمسؤولية العامة.
ولهذا فإن الخروج من أزمة كهرباء عدن لا يمكن أن يتحقق عبر المزيد من المعالجات المؤقتة، بل يتطلب الانتقال إلى رؤية وطنية متكاملة للطاقة والإدارة الحضرية والتنمية الاقتصادية في المدينة.
رؤية تبدأ بإعادة هيكلة قطاع الكهرباء إداريًا وماليًا، وتقليص الفاقد والفساد، وتنويع مصادر الطاقة عبر التوسع في الغاز والطاقة الشمسية، وربط قطاع الكهرباء بخطة أوسع لإحياء الموانئ والمصافي والاستثمار والخدمات العامة.
فإما أن تتحول عدن إلى نموذج لاستعادة الدولة عبر الإدارة الرشيدة والبنية التحتية والاستقرار الخدمي، أو تبقى الأزمة عنوانًا دائمًا لعجز الشرعية واستنزاف ما تبقى من ثقة المواطنين.
وحين يصل الحال بمدينة كعدن إلى أن تصبح الأرصفة أرحم من المنازل، فإن الكهرباء وحدها لا تكون قد انقطعت، بل ينقطع معها شيء أعمق بكثير: ثقة المواطن بأن الدولة ما تزال قادرة على أداء وظيفتها الأساسية في حماية الحياة والكرامة الإنسانية.