الخميس, 11 يونيو 2026
131
ليست أزمة الجنوب واليمن اليوم أزمة أسماء أو مناطق، بل أزمة معايير. فحين يصبح المنصب ثمرة ولاء أو محاصصة أو ترضية، لا نتيجة كفاءة وخبرة ونزاهة، تغيب الدولة مهما كثرت الشعارات وتعددت الوجوه.
في الجنوب قبل الوحدة، ورغم كل ما يؤخذ على التجربة من أخطاء وصراعات، كانت الدولة حاضرة في حياة الناس. كان للمدرسة والمستشفى والأمن والقضاء والوظيفة العامة معنى وهيبة، وكان للكادر قيمة، وللمؤسسة انضباط، وللقيادة شروط تتصل بالخبرة والالتزام والمسؤولية العامة. لم تكن التجربة مثالية، لكنها لم تكن بلا دولة.
بعد الوحدة، كان يفترض أن تُبنى دولة أرقى، تستفيد من أفضل ما في التجربتين. لكن ما حدث أن معايير القيادة تراجعت، وحلّت شبكات النفوذ والولاء محل الكفاءة، وتآكلت المؤسسات، وتوسع الفساد، وغاب مشروع الدولة خلف إعلام التمجيد وشعارات لا يراها المواطن في حياته.
ثم جاء ما بعد 2012 ليزيد الخلل وضوحاً. فقد تحولت مرحلة كان يفترض أن تصحح المسار إلى ساحة أوسع للمحاصصة والترضيات والتوازنات الهشة. صار السؤال في كثير من التعيينات: من يمثل أي طرف؟ لا: من الأقدر على خدمة الناس وبناء المؤسسة؟ ومع الحرب والانقسام والتدخلات، أصبحت بعض المواقع واجهات بلا قرار، ومناصب بلا أثر.
وفي الجنوب المحرر اليوم، لا يكفي أن نقول إن كثيراً من المسؤولين جنوبيون. فالجنوبي في المنصب لا يمثل الجنوب بمجرد اسمه، بل بما يقدمه للناس. من يعجز عن إدارة خدمة، أو يصمت على فساد، أو يقبل أن يكون واجهة، لا يحمي القضية بل يسيء إليها.
والأهم أن الجنوب لا يفتقر إلى الكفاءات. ففي عدن، وهي الأوفر بالكوادر والخبرات والطاقات المتنوعة، كما في حضرموت ولحج وأبين وشبوة والمهرة وسقطرى، توجد عقول جنوبية قادرة في الإدارة والاقتصاد والقانون والهندسة والتعليم والصحة والأمن والعمل العام. لكن كثيراً منها مهمَّش أو مستبعد، لأن بوابة القرار لا تزال في الغالب محكومة بالقرب والولاء والمحاصصة، لا بالمعايير.
هنا جوهر المشكلة: ليست الكفاءات غائبة، بل المعايير غائبة. وليست المحافظات الجنوبية عاجزة بطبيعتها، بل تُدار غالباً بمنظومة مهلهلة لا تُحسن اختيار الرجال والنساء القادرين على الإصلاح.
لذلك لا يمكن إنقاذ عدن وبقية المحافظات المحررة إلا بإعادة الاعتبار للكفاءة والنزاهة والخبرة والمحاسبة، وفتح الطريق أمام من يعرفون الدولة لا من يستخدمونها.
ولا يعني هذا تبرئة من حكموا بعد الوحدة لعقود. فقد امتلكوا القرار والجيش والمال والإعلام، ومع ذلك لم يبنوا دولة عادلة، ولم يحافظوا على الشراكة، ولم يتركوا مشاريع مستدامة تليق بالناس. كما لا يجوز أن تتحول مظلومية الأمس إلى عذر دائم لفشل الحاضر. فالمواطن لا يعيش بالتاريخ ولا بالشعارات، بل بالكهرباء والماء والراتب والأمن والقضاء والخدمة الكريمة.
المعيار الحقيقي للقيادة ليس: من أين أنت؟ بل: ماذا تعرف؟ ماذا أنجزت؟ هل تملك النزاهة؟ هل تحترم المؤسسة؟ هل تحمي المال العام؟ هل تصارح الناس؟ وهل تستطيع أن تقول لا للفساد والتبعية والعبث؟
لقد آن الأوان لفرز جديد: بين رجل الدولة ورجل الغنيمة، بين صاحب الكفاءة وصاحب الولاء، بين من يخدم الناس ومن يستخدمهم. فمن كان بحجم المسؤولية فليتقدم، ومن عجز فليغادر، ومن فسد فليحاسب، أياً كان اسمه أو منطقته أو الجهة التي جاء منها.
الدولة لا تعود بالحنين إلى الماضي، ولا بتمجيد الحاضر، ولا بكثرة المناصب. تعود حين تعود معايير القيادة: الكفاءة، النزاهة، الخبرة، الشجاعة، والمحاسبة. وحين تغيب هذه المعايير، تغيب الدولة، ويبقى المواطن وحده في مواجهة الظلام والفساد والانتظار.