> عدن «الأيام» خاص:

​كشفت دراسة أكاديمية حديثة عن تراجع حاد في المؤشرات المالية للقطاع المصرفي اليمني بين عامي 2014 و2025، إذ انخفض إجمالي الأصول بالقيمة الدولارية بنسبة 41.9 %، والودائع بنسبة 49.5 %، فيما سجل رأس المال والاحتياطيات التراجع الأكبر بنسبة 81.5 %، وانخفضت القروض والسلف بنسبة 76.1 %، في مؤشر على عمق التحولات التي أصابت قدرة القطاع المصرفي على الوساطة المالية وتمويل النشاط الاقتصادي.

وأعد الدراسة الباحث والخبير الاقتصادي وحيد عبدالكريم الفودعي، الباحث في دكتوراه العلوم الاقتصادية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة عدن، ونشرتها مجلة الدراسات الاجتماعية بجامعة العلوم والتكنولوجيا في 5 سبتمبر 2026، ضمن المجلد 32، العدد الثامن، بعنوان «القطاع المصرفي اليمني: الواقع والتحديات ومسارات الإصلاح ودوره المتوقع في مرحلة إعادة الإعمار».

وهدفت الدراسة إلى تشخيص الواقع الراهن للقطاع المصرفي اليمني، وتحديد أبرز تحدياته الهيكلية والتنظيمية والمالية، واستكشاف مسارات إصلاحه والدور المتوقع أن يؤديه في مرحلة إعادة الإعمار، واعتمدت المنهج الوصفي التحليلي بالاستناد إلى البيانات المصرفية والتقارير والتشريعات ذات الصلة حتى عام 2025.

ولقياس حجم التحولات التي طرأت على القطاع بصورة أكثر دقة، قارنت الدراسة عددًا من المؤشرات المالية الرئيسة بين عامي 2014 و2025 بعد تحويل قيمها إلى ما يعادلها بالدولار الأمريكي، بهدف الحد من التشوه الذي أحدثه الانخفاض الكبير في قيمة الريال اليمني خلال سنوات الحرب عند إجراء المقارنات بالقيم الاسمية المحلية.

وأظهرت النتائج أن أزمة القطاع المصرفي اليمني تتسم بطابع هيكلي مركب، يرتبط بتجزؤ السلطة النقدية والازدواج التنظيمي، وتراجع الثقة والوساطة المالية، وتدهور جودة الأصول والقواعد الرأسمالية للبنوك، إلى جانب ضعف البنية التكنولوجية وانحسار الروابط المالية الخارجية.

وكشفت الدراسة، إلى جانب الانخفاضات الكبيرة في الأصول والودائع ورؤوس الأموال والائتمان، عن ارتفاع حصة الودائع بالعملات الأجنبية إلى 68.2 % من إجمالي الودائع، بما يعكس التحول المتزايد نحو العملات الأجنبية داخل الجهاز المصرفي في ظل تراجع الثقة بالعملة المحلية والاضطرابات النقدية التي شهدها الاقتصاد اليمني.

وتشير هذه المؤشرات إلى أن التحدي الذي يواجه القطاع المصرفي يتجاوز استعادة أحجام الأصول والودائع إلى إعادة بناء قدرته على أداء وظائفه الأساسية في تعبئة المدخرات وتوجيهها نحو الائتمان والاستثمار وتمويل النشاط الاقتصادي، وهي وظائف تكتسب أهمية مضاعفة في أي مرحلة مقبلة للتعافي وإعادة الإعمار.

وخلصت الدراسة إلى أن تمكين القطاع المصرفي من أداء دور فاعل في إعادة الإعمار يتطلب تنفيذ برنامج إصلاح متدرج ومترابط، يبدأ بإعادة توحيد المؤسسات النقدية ومعالجة الانقسام المؤسسي، وتعزيز قدرات البنك المركزي، وإعادة هيكلة البنوك ومعالجة أوضاعها المالية، واستعادة ثقة المودعين والمتعاملين، بالتوازي مع تسريع التحول الرقمي وتوسيع النشاط المصرفي محليًا وإعادة دمج القطاع في النظام المالي والمصرفي الخارجي.

وأكدت الدراسة أن إصلاح القطاع المصرفي يمثل شرطًا أساسيًا لتمكينه من المشاركة في تمويل مرحلة إعادة الإعمار، في ظل ما تتطلبه هذه المرحلة من تعبئة موارد مالية كبيرة وتمويل طويل الأجل للمشروعات والبنية الأساسية والقطاعات الإنتاجية، بما يستدعي الانتقال بالقطاع من معالجة تداعيات سنوات الأزمة إلى استعادة دوره في الوساطة والتمويل ودعم التعافي الاقتصادي.

وضمن الخيارات المقترحة لمرحلة إعادة الإعمار، دعت الدراسة إلى تقييم جدوى إنشاء بنك متخصص لإعادة إعمار اليمن يتولى توفير التمويل التنموي طويل الأجل، في إطار منظومة إصلاح أوسع تعيد بناء قدرة القطاع المالي والمصرفي على تعبئة الموارد المحلية والخارجية وتوجيهها نحو احتياجات التعافي والتنمية.

وتخلص الدراسة إلى أن استعادة الدور الاقتصادي للقطاع المصرفي اليمني ترتبط بمدى القدرة على معالجة اختلالاته المؤسسية والمالية والتنظيمية بصورة متسلسلة ومتكاملة، باعتبار أن قطاعًا مصرفيًا ضعيفًا ومجزأً سيحد من قدرة الاقتصاد على تمويل التعافي، في حين يمكن لقطاع مستقر ومعاد الهيكلة أن يشكل إحدى القنوات الرئيسة لتعبئة الموارد وتمويل الاستثمار وإعادة الإعمار.