أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 10:37 م بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • ​كم حربًا كان يمكن أن نتجنبها لو اتسعت كلمة «نحن» قليلًا؟

    إلهام محمد زارعي




    ​ربما كان تاريخ البشر كله رحلة طويلة في توسيع هذه الكلمة. لقد عاش الإنسان زمنًا لا يرى عالمه إلا في أسرته، ثم قبيلته، ثم قريته، ثم مدينته، ثم وطنه.

    وفي كل مرة اتسعت فيها دائرة الانتماء، سقط جدار كان يبدو يومًا مستحيل السقوط.ولعل الخطوة الإنسانية القادمة ليست أن نتخلى عن دوائرنا الصغيرة، بل أن نجعلها تتسع حتى لا تُخرج أحدًا من دائرة الكرامة.

    فليس مستحيلًا أن يأتي زمن يتعلم فيه الإنسان أن انتماءه إلى جماعة لا يحتاج إلى عداوة جماعة أخرى، وأن محبة الأرض التي وُلد عليها لا تستدعي احتقار أرض الآخرين، وأن اختلاف المعتقد أو الرأي أو الفكر والرؤية لا يمنع احترام الإنسان، ولا يقلل من فرص الشراكة في الخبز والمدرسة والشارع والمستشفى والوطن.ونحن أحوج ما نكون اليوم إلى هذه النقلة.

    ليس إلى شعار جديد نعلقه على الجدران، بل إلى تغيير هادئ وعميق في الطريقة التي نرى بها بعضنا بعضًا؛ لأن أخطر الحروب ربما لا تبدأ حين تُطلق الرصاصة، بل قبل ذلك بكثير، حين تضيق كلمة «نحن» حتى يصبح بعض أبناء الوطن في وعينا «هم».

    نحتاج أن يتعلم الطفل في البيت أن أخته ليست أقل منه لأن المجتمع منحه امتيازًا أكبر، وأن يتعلم في المدرسة أن زميله المختلف عنه ليس مشروع خصم، وأن يسمع في مجلس الكبار لغة لا تقسّم الناس إلى درجات في الوطنية والكرامة.وأن يكبر وهو يعرف أن الإنسان لا يفقد حقه في الاحترام لأنه يحمل اسمًا مختلفًا، أو لهجة مختلفة، أو فكرة لا تشبه فكرتنا. فالعدل لا يمكن تقسيمه بحسب محبتنا للناس، والكرامة التي نعطيها لمن يشبهنا فقط ليست كرامة؛ إنها امتياز.

    إن السلام لا يُدرَّس للأطفال بمحاضرة عن السلام، بينما يسمعون الكبار كل مساء يصنعون أعداءهم بالكلمات. فالكلمة التي تحتقر إنسانًا قد لا تُريق دمًا في لحظتها، لكنها تهيئ الضمير يومًا ليتقبل إقصاءه وظلمه.الأطفال يتعلمون حدود «نحن» من أفواهنا.

    حين يسمع الطفل أباه وأمه يحترمان المختلف، تتسع خريطته الداخلية للعالم. وحين يسمعهما يحتقران شخصًا أو منطقة أو جماعة أو فئة، يرث منهما حدودًا لم يرسمها بنفسه، وقد يقضي عمرًا كاملًا يدافع عن أسوار لم يسأل يومًا: من بناها في داخلي؟ ولعل السلام يبدأ من سؤال صغير جدًا:من بقي خارج كلمة «نحن» في قلوبنا؟ فكلما اتسعت هذه الكلمة، ضاقت المساحة التي تستطيع الكراهية أن تعيش فيها.

    وربما يأتي اليوم الذي نفهم فيه أن الوطن لا يصبح أكثر أمنًا حين يتشابه أبناؤه، بل حين يستطيع المختلفون فيه أن يقولوا جميعًا، دون خوف ودون إقصاء: هذا الوطن لنا جميعًا و«نحن» لا تكتمل إذا غاب عنها أحد.
    ودمتم سالمين.

المزيد من مقالات (إلهام محمد زارعي)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال